ذات صلة

جمع

كيف يعمق الانكماش الاقتصادي المتوقع لعام 2026 جراح المنظومة المالية في لبنان؟

تتبدد أبسط مقومات الحياة الآدمية وسط صراع إقليمي مدمر...

سقوط أجنحة طهران.. كيف تسحق العقوبات الأميركية منظومة النفوذ الإيراني؟

تتوالى الضربات الموجعة على منظومة النفوذ الإيراني في المنطقة،...

جحيم الظلام في السودان.. كيف تسببت سياسات البرهان والجيش في انهيار الكهرباء والصحة؟

تتوارى آمال المواطنين في السودان خلف سحب داكنة من الظلام الحالك والمعاناة الإنسانية المتفاقمة، حيث تتبدد أبسط مقومات الحياة الآدمية وسط جحيم الصراع المسلح وانقطاعات الكهرباء الطويلة التي فرضتها سياسات قيادة الجيش وسلطة بورتسودان.

ولم يعد المشهد اليومي في مختلف المدن السودانية سوى سلسلة متواصلة من الأزمات المأساوية التي تحاصر الأطفال والمرضى وكافة شرائح المجتمع، في ظل عجز تام وإمعان في تجاهل النداءات الإنسانية الملحّة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بنية تحتية متهالكة.

تقارير أممية وحقوقية توثق بالأرقام كارثة الانهيار الصحي والإنساني

ووفقاً لتقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) ووكالات الإغاثة الدولية لعام 2026، أدى الانهيار الشامل للبنية التحتية والقطاع الصحي إلى خروج نحو 60% من المؤسسات الصحية عن الخدمة بصورة كاملة، بينما تعمل النسبة المتبقية بصورة جزئية وتحت ضغوط استثنائية تهدد حياة ملايين المدنيين الأبرياء.

وفي هذا السياق، حذر ممثل اليونيسف في السودان، شيلدون يت، مراراً من الوضع الكارثي الناجم عن انهيار الخدمات الأساسية وانعدام مياه الشرب النظيفة، مشيراً إلى تقديرات رسمية تؤكد أن نحو 3 ملايين طفل دون سن الخامسة باتوا معرضين بشكل مباشر لخطر الإصابة بالأمراض الوبائية القاتلة.

وتشير البيانات الحقوقية الموثقة إلى أن استخدام المياه الملوثة وتوقف محطات الصرف الصحي يعززان تفشي الأوبئة، مما يحتم تدخلاً دولياً عاجلاً لمحاسبة المتسببين في هذا التدهور المعيشي المريع.

ظلام دامس لعشرين ساعة: مخاطر صحية جسيمة ومعاناة مرضى السكري

وفي تفاصيل المعاناة اليومية، أفاد مواطنون سودانيون في تصريحات لشبكة «سكاي نيوز عربية» بأن انقطاع التيار الكهربائي يصل في كثير من الأحيان إلى نحو 20 ساعة يومياً، مما أدى إلى شلل كامل في حياة الأسر. وتروي مواطنات معاناتهن اليومية مع ذهاب الأطفال إلى المدارس في الساعات الأولى وسط ظلام دامس وطقس شديد الحرارة، يجبرهم على العودة بخفي حنين، ويسيطر عليهم الإحباط لعدم القدرة على مراجعة الدروس. ولا تتوقف الأزمة عند حدود التعليم، بل تمتد لتشكل خطراً مميتاً على أصحاب الأمراض المزمنة.

ويعاني مرضى السكري على وجه الخصوص من كارثة حقيقية تمثلت في تلف الأنسولين نتيجة غياب التبريد المستمر، الأمر الذي يضعهم أمام خيارات قاسية ومكلفة لشراء أدوية بديلة وسط فقر مدقع وغياب المقدرة المالية.

كما تواجه الصيدليات ذاتها عجزاً ذريعاً عن توفير وتخزين الأنسولين، مما أدى إلى ندرة حادة في المعروض الدوائي. وأمام هذا الواقع المؤلم، تلجأ بعض الأسر إلى تركيب ألواح الطاقة الشمسية كحل مكلف ومؤقت، إلا أن انخفاض الدخول يجعل هذا الخيار ترفاً لا تملكه الغالبية العظمى، التي تضطر للتضحية بأبسط أساسيات الحياة.

احتجاجات شعبية عارمة وتداعيات مدمرة على الاقتصاد والزراعة والصناعة

وعلى الصعيد الميداني والاحتجاجي، شهدت عدة مناطق سودانية خلال أغسطس 2026، ولا سيما في ولايتي الخرطوم والبحر الأحمر، موجة غضب عارمة واحتجاجات شعبية واسعة.

فقد أقدم سكان منطقة جبيت بولاية البحر الأحمر على إغلاق الطريق القومي الرابط بين بورتسودان والخرطوم، ناشرين صوراً توثق شلل الخدمات العامة وغياب أي معالجات عاجلة من قبل السلطات القائمة، التي تُلقي باللوم على الحرب بينما تواصل تكريس سياسات الهيمنة الاقتصادية لصالح أمراء الحرب.

ولا تقتصر تداعيات انقطاع الكهرباء على الجانب الخدمي، بل تمتد لتضرب عمق الاقتصاد الوطني؛ فقد فقد آلاف المزارعين محاصيلهم جراء عجزهم عن تشغيل أنظمة الري، في بلد يعاني فيه أكثر من 20 مليون سوداني من خطر انعدام الأمن الغذائي الحاد.

وفي القطاع الصناعي، أدى الاعتماد على المولدات الخاصة إلى مضاعفة كلفة التشغيل، مما تسبب في قفزات جنونية بأسعار السلع الأساسية التي تضاعفت بأكثر من 400% منذ اندلاع الصراع، وسط غياب تام لأي حلول استراتيجية من قبل الجيش.

حتمية إنهاء سياسات التجويع والظلام في السودان

ويتبيّن بجلاء أن استمرار سياسات قيادة الجيش السوداني وسلطة بورتسودان في إدارة الأزمات عبر التجاهل والتعنت لا يقود بالبلاد إلا إلى مزيد من الانهيار والدمار الشامل، وإن غياب الحلول الجذرية لانقطاعات الكهرباء وتدهور الصحة يعكس فشلاً ذريعاً في حماية مقدرات الشعب.

ولم يعد أمام السودانيين سوى التحرر من هذه القيود الظالمة واستعادة مسار الدولة المدنية التي تحفظ كرامتهم الإنسانية وتنقذهم من أتون الظلام.