بعد خمسة وعشرين عامًا، ما تزال تفاصيل الساعات الأولى للتحرك الأميركي داخل أفغانستان عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 تكشف عن طبيعة العملية التي سبقت الحرب الطويلة في البلاد، وفي قلب تلك القصة مروحية روسية الصنع من طراز “مي-17” حملت أول فريق من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى وادي بنجشير.

وفي 26 سبتمبر 2001، وبعد 15 يومًا فقط من الهجمات، وصل فريق عملية “جوبريكر” إلى أفغانستان، في أول انتشار ميداني لعناصر الوكالة داخل البلاد بعد الهجمات.
وكانت المهمة الرئيسية للفريق إقامة اتصال مباشر مع قوات التحالف الشمالي والعمل على تجهيز الأرض أمام العمليات الأميركية ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان.
وضم الفريق سبعة ضباط من الوكالة، إلى جانب أفراد من الطاقم الجوي وشركاء أفغان، وحمل معه معدات اتصالات وأسلحة وأموالًا نقدية بملايين الدولارات لاستخدامها في دعم الحلفاء المحليين وتعزيز قدرتهم على مواجهة طالبان والقاعدة.
وتؤكد وكالة الاستخبارات المركزية، أن العملية كانت جزءًا من خطة أوسع لجمع معلومات استخباراتية قابلة للاستخدام ميدانيًا، ودعم العمليات التي كانت تستهدف تنظيم القاعدة وحلفاءه.
واختيرت المروحية الروسية “مي-17” تحديدًا لقدرتها على العمل في التضاريس الجبلية والارتفاعات العالية، فضلًا عن انتشار هذا الطراز في المنطقة، وهو ما جعل ظهوره أقل إثارة للانتباه مقارنة بمروحيات أميركية الصنع.
وكانت المروحية قادرة على عبور ممر أنجومان المرتفع بنحو 14 ألفًا و500 قدم، وهو أحد الممرات الجبلية الصعبة التي كان عبورها ضروريًا للوصول إلى وادي بنجشير.
“USA” و”9-11-01″.. هوية مروحية في سماء الحرب
لكن استخدام المروحية الروسية فرض مشكلة أخرى، إذ لم تكن مجهزة بجهاز “ترانسبوندر” يسمح للطائرات الأميركية بالتعرف إليها أثناء تحليقها في الأجواء الأفغانية.
ولحل المشكلة، لجأ الطاقم إلى وسيلة بدائية لكنها فعالة؛ فجرى رسم كلمة “USA” والعلم الأميركي على الجزء العلوي من المروحية، حتى يتمكن الطيارون الأميركيون وطائرات التحالف من تمييزها من الجو، بينما ظلت العلامات بعيدة نسبيًا عن أنظار القوات الموجودة على الأرض.
كما حملت المروحية رمز النداء “9-11-01″، في إشارة مباشرة إلى الهجمات التي كانت قد دفعت العملية إلى الوجود.

وبعد المهمة الأولى، واصلت المروحية العمل في أفغانستان، ونفذت أكثر من 300 مهمة قبل إخراجها من الخدمة عام 2012. وفي 2018 وصلت إلى مقر وكالة الاستخبارات المركزية في لانغلي بولاية فرجينيا، قبل أن تصبح جزءًا من المعروضات المرتبطة بتاريخ الوكالة.
وأقامت الـCIA احتفالًا خاصًا بها في 2019، بعد ترميمها والحفاظ عليها باعتبارها إحدى القطع التي توثق بداية العمليات الأميركية في أفغانستان.
وبعد أسابيع من وصول “جوبريكر”، بدأت مرحلة أخرى من العمليات مع إرسال فريق “ألفا” إلى شمال أفغانستان. وكان ديفيد تايسون أحد أعضاء الفريق الذي وصل في أكتوبر 2001 للعمل مع قوات الزعيم الأفغاني عبد الرشيد دوستم، وأصبح الفريق من أوائل الأميركيين الذين عملوا خلف خطوط طالبان.
وفي 25 نوفمبر من العام نفسه، كان تايسون وضابط الوكالة جوني مايكل “مايك” سبان داخل قلعة جنكي قرب مزار شريف لاستجواب أسرى من طالبان والقاعدة، عندما اندلع تمرد مسلح داخل القلعة وتحول إلى معركة عنيفة.
وقتل سبان خلال المواجهات، ليصبح أول أميركي يُقتل في القتال خلال الحرب في أفغانستان، ويُخلد اسمه لاحقًا على جدار النصب التذكاري لوكالة الاستخبارات المركزية.
وبعد مرور ربع قرن، لم تعد قصة المروحية مجرد تفصيل من تفاصيل عملية سرية، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة البدايات الأولى للحرب الأميركية في أفغانستان، كما ارتبطت بمصير الحلفاء الأفغان الذين قاتلوا إلى جانب الأميركيين ثم وجد كثير منهم أنفسهم في دائرة الخطر بعد عودة طالبان إلى السلطة عام 2021.

