ذات صلة

جمع

من البرلمان إلى ساحات القتال.. ماذا يجري داخل دوائر صنع القرار في إيران؟

في لحظة فارقة تكشف عمق التصدعات داخل أروقة النظام...

تحذير دولي بشأن لبنان.. ماذا ينتظر الاقتصاد مع تصاعد أعباء الرواتب والمعاشات؟

في منعطف اقتصادي خطير ينذر بتعميق المأساة المعيشية للمواطنين،...

من بنغازي ودرنة إلى فزان.. كيف تغيرت خريطة التهديد الإرهابي في ليبيا؟

في مشهد ميداني متسارع يتقاطع فيه الصراع العسكري مع...

من الحرس الجمهوري إلى الطيارين.. كيف تتسع دائرة ملاحقة رموز النظام السابق في سوريا؟

تقف الجمهورية السورية اليوم على عتبة مرحلة تاريخية بالغة...

أزمات تونس تحت المجهر.. كيف استغل الإخوان معاناة التونسيين للعودة إلى المشهد؟

تقف الجمهورية التونسية اليوم أمام مفترق طرق حاسم في...

من الحرس الجمهوري إلى الطيارين.. كيف تتسع دائرة ملاحقة رموز النظام السابق في سوريا؟

تقف الجمهورية السورية اليوم على عتبة مرحلة تاريخية بالغة الدقة والحساسية، تتجسد فيها الإرادة الصلبة لملاحقة قوى الإجرام التي عاثت في الأرض فساداً لأكثر من عقد من الزمن.

وفي تطور أمني وقضائي نوعي يعكس عزم السلطات الجديدة على إنهاء حقبة الإفلات من العقاب، أعلنت الأجهزة المختصة عن توقيف ضباط كبار وقيادات أمنية بارزة تورطت في ارتكاب أبشع المجازر والانتهاكات الجسيمة إبان حكم النظام السابق.

سقوط رموز الحرس الجمهوري: توقيف اللواء أحمد إسماعيل وتورطه في مجازر الغوطة وحلب

وأعلنت السلطات السورية رسميًا عن توقيف ضابط كبير سابق في الحرس الجمهوري خلال حكم الرئيس السابق بشار الأسد، في خطوة تمثل اختراقًا كبيرًا في ملف ملاحقة رموز القمع والإرهاب المؤسسي.

وأفاد بيان رسمي صادر عن قوى الأمن الداخلي، بأنه قد جرى «إلقاء القبض على اللواء السابق أحمد محمد إسماعيل، أحد قيادات الصف الأول في الحرس الجمهوري» إبان حقبة النظام البائد، بعد عمليات رصد دقيقة لتحركاته وملاحقة سجله العسكري الأسود.

وأضاف البيان، أن السجلات العسكرية الموثقة تفيد بأن المتهم «بدأ عمله قائدا لفصيلة، ثم قائدًا لسرية في الكتيبة الثانية التابعة للفوج 101 إنزال جوي، قبل ترقيته مطلع عام 2016 إلى رئيس عمليات الفوج ذاته، ومشاركته المباشرة في قيادة الهجمات العسكرية المدمّرة على مدن حلب ودرعا والغوطة الشرقية».

وتشير التقارير الحقوقية والأممية الصادرة عن لجان التحقيق الدولية إلى أن الغوطة الشرقية القريبة من دمشق، والتي شكلت معقلاً رئيسيًا للمعارضة حتى عام 2018، شهدت أبشع الانتهاكات الإنسانية، حيث تؤكد تقديرات الاستخبارات وتقارير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن أكثر من ألف شخص قتلوا بغاز السارين السام في هجمات مروعة وقعت عام 2013 إبان الحرب في سوريا.

ورغم محاولات النظام السابق نفي تورطه المباشر وتحميل أطراف أخرى المسؤولية، إلا أن الوثائق والأدلة التي جمعتها الآلية الدولية المحايدة والمستقلة “IIIM” تؤكد مسؤولية القيادات العسكرية العليا عن تلك الجرائم.

ويأتي توقيف اللواء أحمد إسماعيل ليؤكد أن العدالة قادمة لا محالة لملاحقة كل من تورط في إراقة دماء المدنيين الأبرياء وتدمير البنية التحتية للمدن السورية.

ملاحقة الطيارين العسكريين وتصاعد الأحكام القضائية الغيابية بحق رأس الهرم الدكتاتوري

لم تقتصر حملة الملاحقات القضائية على قيادات الحرس الجمهوري وحدها، بل امتدت لتشمل كافة الأذرع العسكرية التي استُخدمت في قصف المدنيين وترهيبهم، حيث أعلنت السلطات السورية -في وقت سابق من هذا الشهر- عن توقيف تسعة طيارين سابقين، بينهم ثلاثة عمداء، بتهمة المشاركة المباشرة في عمليات قصف جوي دامية استهدفت مدنًا وبلدات سورية مختلفة خلال سنوات الحرب.

وتتطابق هذه الإجراءات مع ما وثقته التقارير الصادرة عن منظمة العفو الدولية ووكالات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، والتي أشارت إلى بدء أولى الجلسات العلنية لمحاكمة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة في دمشق مطلع عام 2026، مما يعزز مسار العدالة الانتقالية ويضع أسساً صلبة لبناء دولة القانون.

وفي السياق القضائي ذاته، أصدرت محكمة سورية مختصة في شهر أغسطس الماضي حكمًا غيابيًا صارمًا يقضي بإعدام رأس النظام السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وخمسة مسؤولين أمنيين آخرين، بعد إدانتهم رسميًا بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري.

وترى التقارير الحقوقية الدولية، أن هذه الأحكام، إلى جانب تشكيل اللجان الوطنية للعدالة الانتقالية والمفقودين، تُمثل خطوة جوهرية على طريق إنصاف الضحايا وذويهم.

ورغم التحديات الكبيرة التي تواجه مؤسسات القضاء في مرحلة الانتقال السياسي، إلا أن الإصرار الرسمي والمجتمعي على مواصلة محاكمة مرتكبي الانتهاكات يبعث برسالة قاطعة مفادها أن سيادة القانون ومحاسبة الجناة هما الضمانة الوحيدة لعدم تكرار المأساة وتحقيق الاستقرار الدائم في ربوع سوريا.

يؤكد المسار المتسارع للعدالة الانتقالية في سوريا أن دماء الضحايا وتضحيات الشعب السوري لن تذهب سدى وإن ملاحقة رموز النظام البائد وتوقيف القيادات المتورطة في المجازر لا يمثلان مجرد إجراءات قانونية عابرة، بل هما الحجر الأساس لبناء دولة القانون والمؤسسات، والضمانة الحقيقية لتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة.

ورغم جسامة التحديات وحجم الدمار الذي خلفته العقود الماضية، فإن إرساء قواعد المحاسبة العادلة يظل البوصلة الوحيدة نحو مستقبل آمن ومستقر، تلتئم فيه الجراح، وتُصان فيه كرامة الإنسان السوري وحريته على أرض وطنه.