في الوقت الذي ترزح فيه البلاد تحت وطأة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية المعاصرة، تواصل قيادة الجيش السوداني في بورتسودان برئاسة الفريق أول عبدالفتاح البرهان انتهاج مسار تصعيدي يعمق مأساة ملايين المدنيين.
حيث تشير التقارير الحقوقية والأممية الموثقة إلى أن استمرار العمليات العسكرية ورفض الحلول السياسية أفرزا واقعًا كارثيًا يعاقب عليه القانون الدولي الإنساني، وسط اتهامات صريحة لكتائب تنظيم الإخوان المسيطرة على مفاصل القرار العسكري بعرقلة كافة جهود الإغاثة ووقف إطلاق النار، متخذة من المدنيين دروعًا بشرية وأدوات ضغط سياسي.
البرهان تحت الضغط.. العقوبات تكشف فشل خطاب قائد الجيش
ويحاول قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان تحويل حزمة العقوبات الدولية الوشيكة والمفروضة على أركان نظامه إلى ورقة تعبئة شعبية وهمية، مصورًا الضغط الدولي باعتباره مؤامرة خارجية تستهدف سيادة البلاد.
هذا الخطاب التعبوي يتجاهل تمامًا حجم الانتهاكات المروعة والجرائم الموثقة التي يرتكبها الجيش والمليشيات المتحالفة معه.
وتكشف القراءات السياسية العميقة، أن هذا النهج يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية مصالح الحركة الإسلامية وتجنب الملاحقات القضائية الدولية المرتقبة في ظل تقارير تفيد باستخدام أسلحة محرمة دوليًا وقصف عشوائي للمناطق السكنية.
وأكد حقوقيون وخبراء سودانيون، أن إصرار البرهان على حسم المعركة عسكريًا ليس قرارًا وطنيًا، بل هو إملاءات مباشرة من القيادات التاريخية لتنظيم الإخوان الذين يربطون مصيرهم السياسي باستمرار هذه الحرب.
رصد الأمم المتحدة: أرقام مفزعة لأزمة النزوح والمجاعة والانتهاكات
وتوثق التقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) وبرنامج الأغذية العالمي لعام 2026 أرقامًا كارثية تعكس حجم المعاناة جراء العمليات العسكرية المستمرة للجيش.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى نزوح أكثر من اثني عشر مليون شخص داخليًا وخارجيًا، وتحديدًا مع وصول معدلات انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى مستويات قياسية تهدد حياة أكثر من خمسة وعشرين مليون سوداني بالمجاعة.
وتؤكد البيانات الأممية الصادرة في النصف الأول من هذا العام، أن استمرار القصف العسكري المتعمد على البنية التحتية والمستشفيات والأسواق الشعبية يرقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية الموثقة بالأدلة الدامغة والشهادات الحية للضحايا.
خطاب الكراهية والفرز الجغرافي: أداة بورتسودان لتدمير النسيج الاجتماعي
يمثل الاعتماد المتزايد على مفردات التخوين والتحريض والخطاب المتطرف الذي يتبناه البرهان ورموز نظامه عقبة كأداء أمام أي مسار تفاوضي جاد.
يوضح حسب النبي محمود حسب النبي، رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية، أن استخدام مصطلحات مثل «أعداء السودان» يحمل دلالات عنصرية وانتقامية تهدف إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وإحداث فرز جغرافي وقبلي خطير بين مكونات الشعب السوداني.
هذا الخطاب المستمد من أدبيات الحركة الإسلامية لا يؤدي سوى إلى إطالة أمد الصدام المسلح وإجهاض المبادرات الإقليمية والدولية التي تقودها الولايات المتحدة ودول الوساطة الأفريقية.
وتمثل حزم العقوبات المفروضة من واشنطن وعواصم غربية ودولية انتصارًا معنويًا وسياسيًا لملايين السودانيين المتضررين من الحرب، إذ نجحت في إسقاط الشرعية الزائفة التي كانت تدعيها المؤسسة العسكرية التابعة للإخوان.
هذه التدابير العقابية لم تعد تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتدت لتكشف بوضوح الأطراف المسؤولة عن تعطيل الانتقال الديمقراطي وارتكاب المجازر الممنهجة بحق المدنيين الأبرياء في مختلف ولايات السودان، مما يمهد الطريق لفرص حقيقية لمحاسبة الجناة وعدم افلاتهم من العقاب الدولي.
التداعيات الميدانية والإنسانية لاستمرار العمليات العسكرية للجيش
وأدى التعنت المستمر من قبل قيادة الجيش في بورتسودان ورفضها المتكرر للممرات الإنسانية الآمنة إلى انهيار تام في القطاع الصحي والخدمي.
وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى خروج أكثر من ثمانين بالمائة من المرافق الطبية في مناطق الاشتباكات عن الخدمة تماماً، وسط تفشي أمراض الأوبئة والكوليرا وسوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء الحوامل.
إن هذه المعطيات الميدانية تفند بشكل قاطع ادعاءات الحرص على وحدة البلاد وحمايتها، وتكشف بالمقابل عن رغبة دفينة لدى قيادة العمليات العسكرية في مواصلة سياسة التجويع والتركيع لتحقيق أجندات سياسية ضيقة.
المساءلة الجنائية الدولية ومصير القيادات العسكرية المتورطة
تتزايد الدعوات الحقوقية الدولية الموجهة إلى مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية لتسريع التحقيقات في جرائم الحرب المرتكبة بالسودان وتوسيع دائرة الاتهام لتشمل أسماء بارزة مثل ياسر العطا وعبدالفتاح البرهان وغيرهم من القيادات العسكرية والسياسية المتحالفة مع النظام السابق.
وتؤكد الوثائق الحقوقية المرفوعة للمحاكم الدولية وجود أدلة دامغة وقرائن تثبت تورط هذه القيادات في ارتكاب جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي واستخدام أسلحة محرمة وتدمير متعمد للمدن، وهو ما يجعل ملاحقتهم قضائيًا مسألة وقت لا غير تحت طائلة القانون الدولي الجنائي.
الآفاق المستقبلية لفرص السلام في ظل تعنت بورتسودان
يذكر أنه تتطلب المرحلة الراهنة تضافرًا دوليًا وإقليميًا أوسع لفرض عقوبات رادعة ومشددة على الأفراد والكيانات الممولة لآلة الحرب، ودعم مسارات العدالة الانتقالية التي تضمن حقوق الضحايا وتضع حدًا نهائيًا لسي الافلات من العقاب، تمهيدًا لبناء سودان ديمقراطي موحد يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة حكم القانون.

