ذات صلة

جمع

تونس أمام اختبار صحي حاسم.. هل تكفي زيادة أسعار الأدوية لإنقاذ المنظومة؟

تخوض منظومة الأمن الصحي في الجمهورية التونسية اختبارًا وجوديًا...

الحصار على إيران يخنق الحوثيين.. كيف تتراجع قدرة الميليشيات على تمويل الحرب باليمن؟

مع اشتداد حلقات الحصار الاقتصادي والسياسي المطبق على العاصمة...

بين سلاح الفصائل وهيبة الدولة.. لماذا تتعقد مهمة الحكومة العراقية في نزع السلاح؟

تتفاقم الأزمات السياسية والأمنية في الدولة العراقية مع تصاعد...

من دعم الوقود إلى رفع الأسعار.. كيف تحولت أزمة الطاقة إلى تهديد سياسي في إيران؟

تدخل إيران منزلقًا اقتصاديًا ومعيشيًا بالغ الخطورة، في ظل...

ليبيا بين الإعمار والفوضى.. هل تستطيع المشروعات الكبرى كسر نفوذ التشكيلات المسلحة؟

تخوض مدينة بنغازي وباقي المدن الليبية مسارًا تاريخيًا غير...

تونس أمام اختبار صحي حاسم.. هل تكفي زيادة أسعار الأدوية لإنقاذ المنظومة؟

تخوض منظومة الأمن الصحي في الجمهورية التونسية اختبارًا وجوديًا بالغ القسوة، على وقع قرارات اقتصادية وصفت بالأثقل على كاهل المواطن منذ سنوات.

تقارير أممية وحقوقية موثقة بالأرقام.. الحق في الصحة تحت مقصلة العجز المالي والديون المتراكمة

وعلى الصعيد الحقوقي والدولي، توثق التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لعامي 2026 التداعيات المقلقة لتراجع الخدمات الصحية العمومية في تونس وتهديد الأمن الدوائي للمواطنين.

وتشير البيانات الإحصائية إلى أن الصندوق الوطني للتأمين على المرض يعاني أزمة سيولة حادة تعيق وفاءه بالتزاماته المالية تجاه الصيدلية المركزية، مما خلق حلقة مفرغة من العجز والديون التي تنعكس بصورة مباشرة ومأساوية على حق الإنسان الأساسي في العلاج والرعاية الصحية.

وتؤكد الدوائر القانونية والدولية، أن استمرار هذه الاختلالات الهيكلية يضع الدولة أمام التزام أخلاقي وقانوني عاجل لإقرار سياسة دوائية وطنية مستقلة تعزز الصناعة المحلية للأدوية الجنيسة وتضمن حماية الفئات الضعيفة من تبعات الانهيار الاقتصادي.

وتتموقع الأزمة الحالية لقطاع الدواء في تونس ضمن نسق أعقد وأشمل من مجرد قرار محاسبي لرفع تسعيرة ثلاثمائة عقار مستورد، فهي تتويج لمسار متراكم من التصدع الهيكلي الذي أصاب مفاصل دولة الرعاية الاجتماعية برمتها.

وتؤكد الدراسات الاقتصادية والتقارير الصادرة عن مؤسسات الائتمان الدولية ومراكز البحوث الإقليمية لعامي 2025 و2026، أن المنظومة الصحية والدوائية في البلاد باتت أسيرة حلقة مفرغة من العجز المالي المزمن، وتآكل القدرة التشغيلية للمؤسسات العمومية، وتراجع الاحتياطي الإيرادي من العملات الأجنبية.

تراكم الديون يفاقم أزمة الصيدلية المركزية

وتجدر الإشارة إلى أن هذا المشهد المأزوم لم يولد فجأة، بل جاء حصيلة سنوات من عجز الصناديق الاجتماعية عن تسوية ديونها التاريخية والمتراكمة لصالح الصيدلية المركزية، الأمر الذي أفرغ خزينة المؤسسة من السيولة النقدية وأفقدها القدرة على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه كبرى المخابر وشركات التوريد الدولية.

وعلى الصعيد الميداني والمؤسساتي، أدى هذا الشلل المالي المبرح إلى تواتر أزمات انقطاع الأدوية الحيوية وأدوية الأمراض المزمنة من رفوف الصيدليات والمستشفيات العمومية بشكل متكرر طوال الفترات الماضية، مما وضع آلاف المرضى أمام خيارات قاسية ومهددة لحياتهم.

وتشير المعطيات الموثقة إلى أن الدولة وجدت نفسها محاصرة بين مطرقة شروط المانحين الدوليين لضبط التوازنات المالية العامة وسندان أوضاع اجتماعية ومعيشية بالغة الهشاشة يعاني فيها السواد الأعظم من المواطنين من تراجع حاد في القدرة الشرائية تحت وطأة التضخم.

ورغم المحاولات الحكومية المتكررة لترقيع العجز عبر آليات التعديل الجزئي للأسعار، مثل التعديل السابق الذي شمل أكثر من مائتين وثمانين صنفاً في صيف 2025، إلا أن الحلول الترقيعية أثبتت عجزها عن معالجة أصل الداء الكامن في غياب سياسة دوائية استراتيجية ومستقلة.

تحذيرات من مخاطر الاعتماد على التوريد الخارجي للأدوية

وفي السياق ذاته، تحذر الهيئات النقابية والمهنية والخبراء الاقتصاديون من أن الاعتماد المفرط على مسالك التوريد الخارجي وعدم توفير الحاضنة والدعم الكافيين لصناعة الأدوية الجنيسة والمحلية يترك الأمن الصحي التونسي مكشوفاً بالكامل أمام الهزات العالمية وتقلبات أسعار الصرف في الأسواق الدولية.

إن معالجة هذه الأزمة الهيكلية المتشعبة تتجاوز بكثير حدود السجالات السياسية أو القرارات الظرفية برفع الأسعار، لتستوجب إرادة سياسية حقيقية وجريئة تقود إصلاحًا شاملاً لمنظومة الحوكمة الإدارية والمالية، وتعيد الاعتبار لدور الدولة الاجتماعي في حماية الحق الدستوري للمواطن في العلاج والرعاية الصحية، وتضمن ديمومة واستمرارية المؤسسات الحيوية قبل أن تصل منظومة الأمن الدوائي إلى نقطة اللاعودة.