تشير الوقائع الميدانية والتقارير الحقوقية الموثقة إلى أن دخول الجيش السوداني إلى أي منطقة بات بمثابة كابوس مروع يلاحق السكان المحليين.
فالفارين من جحيم الرصاص والاشتباكات لا يجدون أنفسهم أمام فرصة لالتقاط الأنفاس، بل يدخلون مرحلة أشد قسوة وضراوة عنوانها «الموت جوعًا»، حيث يتعمد الجيش وحلفاؤه من كتائب الحركة الإسلامية فرض قيود تعسفية وإيقاف أي عمل خيري أو إنساني يسهم في إبقاء الأسر على قيد الحياة.
وفي مقدمة هذه الممارسات الإجرامية يأتي قرار إيقاف المطابخ الخيرية المعروفة بـ «التكايا»، والتي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد لمئات الآلاف من العائلات المعوزة في العاصمة الخرطوم ومختلف مناطق التماس، مما دفع بالبلاد نحو حافة مجاعة كارثية تهدد حياة ملايين الأبرياء في ظل صمت مطبق وتواطؤ مريب من قادة المؤسسة العسكرية.
إيقاف مطابخ «التكايا» الخيرية.. جريمة ممنهجة تقطع سبل الحياة عن 50 ألف أسرة
تتجلى أبشع صور التنكيل بالمدنيين فيما شهدته منطقة جنوب الحزام بالخرطوم عقب استعادة الجيش السيطرة عليها، حيث أصدرت السلطات العسكرية قرارات مجحفة قضت بوقف وقطع تمويل جميع المطابخ الخيرية المعروفة محليًا بـ «التكايا»، والتي كانت تتكفل بإعداد وتوفير الوجبات الغذائية اليومية لنحو 50 ألف أسرة محاصرة.
وأوضح أعضاء في غرف طوارئ جنوب الحزام، أن هذا التوقف القسري جاء بالتزامن مع انقطاع التمويل الخارجي وتوقف المنح التي كانت تقدمها منظمات مدنية رائدة مثل «صدقات» و«حاضرين» و«نداء»، فضلاً عن انتقال منظمة «حاضرين» بكوادرها إلى معسكر العفاض بالتزامن مع موجات نزوح جديدة وغير مسبوقة لآلاف الفارين من جحيم القتال في الفاشر وولايات كردفان.
وأدى هذا التعمد في تجفيف منابع الإغاثة إلى ترك مئات الأسر والنازحين بلا مأوى ولا مصدر للغذاء، لتتحول المناطق المستعادة إلى سجون كبيرة يعاني فيها السكان من أزمات طاحنة وارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية الأساسية نتيجة الحصار المفروض.
الغذاء سلاح للضغط السياسي.. سياسة التجويع الممنهج وخدمة أجندة «الكيزان»
في ذات السياق، كشفت تقارير عن صدور أوامر طوارئ بشكل رسمي في ولايتي الخرطوم والشمالية نصّت على منع وصول الغذاء أو المساعدات الإنسانية إلى مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع أو ترفض الخضوع للنفوذ السياسي للجيش، معتبرًا أن هذه الإجراءات تمثل استخدامًا فجًّا للسلطة العسكرية والأمنية للضغط على السكان وتطويعهم بالترهيب والجوع.
وكشفت أن أعضاء الحركة الإسلامية والكتائب الظلامية التي تعمل تحت مظلة الجيش هم الجهة المباشرة خلف إيقاف التكايا واستهداف لجان المقاومة والقوى المدنية المناهضة للحرب، بهدف السيطرة الكاملة على المجال المدني وجعل الإغاثة الإنسانية «رهينة للولاء السياسي».
وأشار الحقوقيون إلى أن هذا التعنت يمتد ليشمل التضييق على المنظمات الدولية الكبيرة مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة أطباء بلا حدود، ومحاولة نزع الشرعية عنها عبر اتهامات سياسية خائبة لتقويض السيادة الوطنية، مما يثبت أن قيادة الجيش تتعمد استخدام التجويع سلاح حرب رخيصًا لكسر إرادة المدنيين الأبرياء.
انهيار الخدمات الأساسية وموسم الأمطار الضعيف.. حلقات مفرغة من المأساة الإنسانية
ولا تتوقف معاناة المدنيين عند حدود حرمانهم من الغذاء، بل امتدت لتشمل انهيارًا شبه تام في كافة مقومات البنية التحتية والخدمات الأساسية في العاصمة الخرطوم والمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش. فالكهرباء باتت شبه منعدمة لساعات طويلة يوميًا؛ مما أدى إلى تلف كميات ضخمة من اللحوم والألبان والخضروات والمستلزمات الطبية واللقاحات الحيوية، وضاعف من معاناة الأسر التي عجزت عن تخزين الطعام واضطرت لشراء احتياجاتها اليومية بأسعار خيالية تفوق قدراتها الشرائية المنهارة.
وإلى جانب ذلك، يوضح الخبراء: إن ضعف موسم الأمطار هذا العام يلقي بظلاله الكارثية على مناطق واسعة تعتمد كليًا على الزراعة المطرية والثروة الحيوانية، مما يهدد بانهيار كامل للقطاع الزراعي وتعميق أزمة شح المحاصيل والغذاء.
وتضع هذه المعطيات المتراكمة قيادة الجيش السوداني أمام مسؤولية جنائية وأخلاقية مباشرة، باعتبارها السلطة المسيطرة التي تفرض الحصار وتمنع وصول مقومات الحياة، مما يستدعي تحركًا دوليّا عاجلاً لفرض لجان تحقيق مستقلة ومحاسبة كافة المتورطين في جرائم التجويع والانتهاكات الممنهجة بحق الشعب السوداني.
ويعيش السودان إحدى أساة الكوارث الإنسانية وأكبر أزمة نزوح في تاريخ البشرية الحديث، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية الصادرة لعامي 2025 و2026 إلى أن أكثر من 19.5 مليون سوداني يعانون من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع تفشي المجاعة في عدة مناطق محاصرة.
وتفاقمت هذه المأساة المروعة نتيجة استمرار الحرب الضروس التي يشعلها الجيش السوداني وحلفاؤه من فلول النظام البائد (الكيزان)، والتي لم تقتصر على القصف العشوائي وتدمير البنية التحتية، بل امتدت لتشمل فرض سياسات التجويع الممنهج، وإيقاف المطابخ الخيرية (التكايا)، ومنع وصول قوافل المساعدات الإغاثية إلى المدنيين الأبرياء.
وفي ظل انهيار المنظومة الصحية، وانقطاع التيار الكهربائي، وشح المياه الصالحة للشرب، وتراجع موسم الأمطار، بات ملايين السودانيين يواجهون موتًا بطيئًا وسط تعنت قادة الجيش ورفضهم رفع القيود التعسفية المفروضة على العمل الإنساني، مما يفرض تحركًا دوليًا عاجلاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

