تشتعل فتيل التوترات الأمنية والعسكرية من جديد في الجنوب السوري، حيث تدفع محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية فاتورة باهظة من الاستقرار المفقود والصراعات الدامية بين القوات الحكومية والمجموعات المحلية المسلحة.
وفي تقرير ميداني موسع يوثق تطورات الأوضاع الساخنة خلال شهر أغسطس من عام 2026، كشفت المصادر الرسمية والأمنية عن إصابة ما لا يقل عن 10 عناصر من قوى الأمن السورية في اشتباكات ليلية ضارية اندلعت مع مجموعات مسلحة في ريف السويداء الغربي.
وتؤكد التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية والأممية وبعثات التحقيق الدولية لعامي 2025 و2026، أن هذه المواجهات الدامية تأتي في سياق محاولات السلطات السورية الجديدة بسط نفوذها الأمني والإداري على كامل الأراضي السورية بعد إطاحة نظام الرئيس السابق بشار الأسد في عام 2024، وسط تحديات بالغة التعقيد تتمثل في وجود كيانات مسلحة محلية ترفض الخضوع لسلطة الدولة المركزية.
كواليس اشتباكات ريف السويداء.. تفاصيل الهجوم على النقاط الأمنية والاتهامات المتبادلة بالاستهداف العشوائي
وتتطابق الروايات الرسمية والميدانية مع التقارير الواردة من وكالة «فرانس برس» والتلفزيون السوري الرسمي، الذي أكد أن الاشتباكات اندلعت إثر قيام مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، من أبرزها مجموعة «الحرس الوطني» المحسوبة على الزعيم الروحي لطائفة الدروز الشيخ حكمت الهجري، بمحاولة اعتداء سافر على نقاط أمنية متمركزة في محيط قرى المنصورة وولغا وتل حديد.
وفي المقابل، سارعت مجموعة «الحرس الوطني» لإصدار بيان رسمي عبر منصات التواصل الاجتماعي تتهم فيه القوات الحكومية بقصف عشوائي استهدف محور غرب المدينة بقذائف الهاون ورمايات رشاشات عيار 23 ملم، زاعمة وقوع إصابات في صفوف المدنيين ومقتل طفل بريء، ومحذرة من أن هذه الاعتداءات لن تمر دون رد ميداني حاسم.
وتُظهر هذه التطورات الميدانية السريعة مدى هشاشة الأوضاع الأمنية في المحافظة، وتحول المناطق السكنية إلى مسرح لتصادم الأجندات المسلحة والسلطة المركزية الساعية لفرض هيبة القانون.
تقارير حقوقية وأممية موثقة بالأرقام.. الفاتورة الدموية لإرث العنف الطائفي في السويداء
وعلى الصعيد الحقوقي والدولي، توثق التقارير الصادرة عن المرصد السوري لحقوق الإنسان ولجان التحقيق الرسمية التي شكلتها السلطات السورية وعرضت نتائجها في شهر مارس 2025 و2026، السجل الأسود للانتهاكات الدموية وأعمال العنف الطائفي التي ضربت محافظة السويداء في شهر يوليو 2025.
وتشير البيانات الإحصائية الموثقة إلى أن موجات العنف الطائفي تلك قد أسفرت عن مقتل أكثر من ألفي شخص، بينهم نحو 789 مدنيًا درزيًا، بينما وثقت لجنة التحقيق الرسمية مقتل ما لا يقل عن 1760 شخصًا في أعمال عنف تخللتها انتهاكات صارخة وجرائم إعدام ميداني طالت أبناء الطائفة الدرزية، بحسب شهادات الناجين والمنظمات الحقوقية الدولية.
وتؤكد هذه الأرقام المفزعة أن الجروح التاريخية والانقسامات الطائفية ما تزال تشكل القنبلة الموقوتة التي تهدد السلم الأهلي، وتمنع تحقيق استقرار حقيقي في المنطقة الجنوبية.
أزمة الامتحانات والتعليم.. كيف تستخدم الفصائل المسلحة الخدمات العامة كورقة ضغط سياسية؟
في سياق متصل، لم تقتصر الأزمات في السويداء على البعد العسكري والأمني، بل امتدت لتشمل تضييقًا ممنهجًا على أبسط حقوق المدنيين، حيث سُجل أحدث خلاف جوهري بين الجانبين عندما أقدمت مجموعات مسلحة محلية على منع الطلاب والشباب من التوجه إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المركزية لتقديم الامتحانات الرسمية والمصيرية.
وتوضح تقارير منظمات المجتمع المدني، أن عرقلة المسيرة التعليمية واستخدام المؤسسات الخدمية كورقة ضغط سياسية وميدانية يفاقم معاناة العائلات، ويقوض جهود دمج المؤسسات الحكومية في المحافظة.
ومع استمرار هذه الممارسات التعسفية وتصاعد الاشتباكات على محاور السويداء الغربية، يرى المحللون السياسيون أن الحكومة السورية الجديدة تواجه اختبارًا وجوديًا لفرض سيادة الدولة بحزم، وحماية المدنيين، وتفكيك بؤر التوتر المسلح لضمان عدم انزلاق البلاد نحو دوامة جديدة من الفوضى والتقسيم.
وتشهد الأراضي السورية منذ سنوات طويلة فصولاً دموية من الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها مختلف الميليشيات المسلحة، سواء الطائفية الوافدة أو التشكيلات المحلية الخارجة عن القانون.
ووفقًا للتقارير الصادرة عن لجان التحقيق الدولية والمرصد السوري لحقوق الإنسان لعامي 2025 و2026، تورست أبشع أشكال القمع الممنهج ضد المدنيين العزل، شملت الإعدامات الميدانية، والتهجير القسري، والاعتقالات التعسفية، فضلاً عن تأجيج النعزات الطائفية وإراقة الدماء في مناطق واسعة كالسويداء ومحيطها.
ولم تقتصر هذه الممارسات الإجرامية على سفك الدماء فحسب، بل امتدت لتعطيل مقومات الحياة الأساسية ومحاصرة المؤسسات الخدمية والتعليمية.
وفي ظل جهود السلطات السورية الجديدة لبسط الأمن والاستقرار وفرض سيادة القانون بعد سنوات من الفوضى، تواصل هذه الفصائل المسلحة عرقلة مسار التعافي الوطني، مما يترك الملايين من السوريين رهائن للخوف وانعدام الأمان.

