تطوي سوريا واحدة من أكثر صفحاتها العسكرية والسياسية تعقيدًا وديناميكية بعد مسيرة استمرت أحد عشر عامًا خاضت خلالها قوات سوريا الديمقراطية “قسد” معارك ضارية غيّرت وجه المنطقة.
ففي خطوة تاريخية وغير مسبوقة، أعلن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، في كلمة نقلها التلفزيون الرسمي، انتهاء مهمة قواته وحلها رسميًا كقوة عسكرية مستقلة، لتندمج بالكامل ضمن ألوية الجيش السوري ومؤسسات الدولة المركزية.
هذا التحول الجذري جاء تتويجًا لمسار طويل من المفاوضات الشاقة والتفاهمات السياسية التي وقعت في الحادي والثلاثين من يناير 2026، ليعلن بذلك الستار على حقبة الإدارة الذاتية المستقلة في شمال وشرق البلاد، فاتحًا الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الأبرز توحيد الأراضي السورية تحت مظلة حكومة دمشق الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، في مشهد يعيد صياغة التوازنات الإقليمية والدولية بأكملها.
جذور التأسيس والدور التاريخي في دحر تنظيم داعش الإرهابي
تعود جذور تشكيل قوات سوريا الديمقراطية إلى شهر أكتوبر من عام 2015، حيث وُلدت نتيجة تحالف استراتيجي وميداني بين مقاتلين عرب وأكراد تحت إشراف وتوجيه مباشر من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
وقد جاء هذا التأسيس بعد البطولات الكبيرة التي سجلها المقاتلون الأكراد في معارك مدينة كوباني “عين العرب” بشمال سوريا، والتي استمرت أربعة أشهر من الاشتباكات الضارية حتى نجحوا في طرد تنظيم “داعش” الإرهابي وتحويل المدينة إلى رمز عالمي للصمود في وجه التطرف.
وبحسب التقارير العسكرية والميدانية لعام 2019، توجت هذه الجهود بدحر التنظيم المتطرف من آخر معاقله الحصينة في بلدة الباغوز شرقي سوريا، لتتحول “قسد” إلى رأس الحربة المعتمد دوليًا في مكافحة الإرهاب، وتفرض سيطرتها على مساحات شاسعة غنية بحقول النفط والغاز وسهول الزراعة الخصبة، قبل أن يتغير المشهد الإقليمي بالكامل عقب الإطاحة بنظام الرئيس السابق بشار الأسد أواخر عام 2024.
تفاصيل اتفاق الاندماج الشامل وتسليم المرافق الحيوية للدولة
مع تولي السلطات الجديدة مقاليد الحكم في دمشق وتحول الدعم الأمريكي نحو حكومة الرئيس أحمد الشرع لدعم مساعي توحيد البلاد، وجدت الإدارة الذاتية نفسها أمام حتمية التفاوض المفضي إلى إعادة دمج المؤسسات.
وأسفرت جولات الحوار المكثفة عن توقيع اتفاق شامل في الحادي والثلاثين من يناير نص على تفكيك الهياكل المستقلة تدريجيًا وربطها بالدولة، وتزامن ذلك مع صدور مرسوم رئاسي تاريخي في السادس عشر من يناير يعترف بالحقوق الوطنية للأكراد ويقر بلغتهم لغة رسمية للبلاد لأول مرة منذ استقلال عام 1946.
وفي السياق ذاته، جرى تعيين شخصيات كردية بارزة في مفاصل الدولة، شملت تعيين نور الدين أحمد عيسى محافظًا للحسكة، واختيار القيادي البارز سيبان حمو معاونًا لوزير الدفاع لشؤون المنطقة الشرقية في مارس 2026.
وبموجب هذه التفاهمات، تسلمت الدولة السورية تباعًا إدارة مطار القامشلي وحقول النفط والغاز الحيوية، مما أنهى المظاهر الاقتصادية والإدارية المستقلة التي تمسكت بها القوات الكردية لسنوات طويلة.
طي ملف معتقلي داعش والمقاتلين الأجانب وانعكاسات التحول الإقليمي
لم يقتصر الاتفاق على الجوانب الإدارية والعسكرية فحسب، بل امتد ليشمل معالجة الملفات الأمنية المعقدة العابرة للحدود، وفي مقدمتها ملف عناصر تنظيم “داعش” الأجانب والمقاتلين المرتبطين بحزب العمال الكردستاني.
وبحسب تصريحات ممثلين عن مجموعة الأزمات الدولية لـ’وكالة فرانس برس’، فقد غادر المئات من المقاتلين غير السوريين الأراضي السورية بالتنسيق مع الجهات المعنية لضمان استقرار الجوار وسيادة البلاد، بينما تكفلت القوات الأمريكية بنقل أكثر من 5700 معتقل من عناصر “داعش” الخطيرين من سجون شمال شرق سوريا إلى الأراضي العراقية المجاورة بعد إعلان المبعوث الأمريكي توم براك انتهاء الدور المحوري الذي لعبته “قسد” في هذا الملف.
وترى مصادر، إن هذه التطورات تمثل “نهاية حقبة القوة الكردية المستقلة”، وإنجازًا جوهريًا لدمشق في فرض سيادتها الكاملة، رغم ما يتركه هذا المسار من مشاعر أسف لدى بعض الأطراف الكردية التي رأت في الاندماج نهاية مرة لطموحات الحكم الذاتي، مقابل تطلع جماعي لبناء مستقبل ديمقراطي موحد لجميع أبناء الشعب السوري.

