عاشت مدينة مصراتة الواقعة شمال غربي ليبيا ليلة مرعبة على وقع انفجار ضخم هز أركان منطقة الغيران، مساء الجمعة، مستهدفًا مخزنًا للأسلحة والذخائر تابعًا لإحدى الكتائب العسكرية القريبة من سجن “السكت”.
وأدى الانفجار العنيف إلى تطاير الصواريخ والذخائر بشكل عشوائي ومخيف في محيط المنطقة السكنية، مما دفع السلطات المحلية والأمنية إلى إغلاق الطرق الرئيسية فورًا كإجراء احترازي لحماية أرواح المواطنين وسط حالة من الذعر الهلع.
تأتي هذه الحادثة المفزعة لتسلط الضوء من جديد على الخطر الوجودي الذي تشكله التشكيلات المسلحة والميليشيات الخارجة عن القانون، والتي تحتفظ بترسانات ضخمة من الأسلحة داخل التجمعات السكنية المدنية دون أدنى معايير للأمن والسلامة، مما يعكس استمرار الفوضى الأمنية وغياب الرقابة الحقيقية على مخازن الموت التي تهدد حياة المدنيين الأبرياء في مختلف أنحاء البلاد بصورة يومية.
تقارير أممية وحقوقية.. الفاتورة الباهظة لانتشار السلاح المنفلت في ليبيا
تؤكد التقارير الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والمنظمات الحقوقية الدولية، أن انتشار السلاح خارج سيطرة الدولة يمثل التهديد الأبرز لاستقرار البلاد وحماية حقوق الإنسان.
ووفقًا لتقارير حقوقية موثقة صدرت مؤخرًا عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فإن تكديس الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل المدن والمناطق المكتظة بالسكان، كما حدث في انفجار مصراتة الأخير، يسجل انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني.
وتشير البيانات الأممية إلى أن آلاف الأطنان من الذخائر غير الخاضعة للرقابة تتواجد في مقار تابعة لكتائب وميليشيات مسلحة لا تخضع لسلطة مركزية واضحة، مما أدى منذ عام 2011 وحتى الآن إلى مقتل وإصابة المئات من المدنيين جراء الانفجارات العرضية وسوء التخزين.
وتشدد التقارير الدولية على أن عجز السلطات المتعاقبة عن تفكيك هذه التشكيلات ونزع سلاحها جعل من المدن الليبية ساحات حرب مؤجلة، حيث تتحول أحياء بأكملها إلى مناطق منكوبة بين عشية وضحاها نتيجة غياب أدنى معايير المساءلة والمحاسبة القانونية للمتسببين في هذه الكوارث.
تفاصيل الحادثة والتدابير الأمنية.. مؤسسة الإصلاح والتأهيل تحت اختبار الطوارئ
في أعقاب الانفجار المروع، سارعت الجهات المختصة في مدينة مصراتة لاحتواء الموقف الأمني المتوتر وسط تضارب الأنباء حول الخسائر البشرية والأسباب الحقيقية وراء اشتعال المخزن.
وذكرت وكالة الأنباء الليبية، أن مصادر إعلامية ومحلية أكدت وقوع الانفجار داخل مقر تابع لإحدى الكتائب العسكرية المقابلة لسجن “السكت”، الأمر الذي أثار مخاوف هائلة على سلامة نزلاء السجن.
وعلى الفور، أصدرت “مؤسسة الإصلاح والتأهيل – السكت الرئيسي” بياناً رسمياً عاجلاً لطمأنة أهالي وذوي النزلاء، مؤكدة أن الأوضاع داخل المؤسسة استقرت تمامًا وأن جميع النزلاء بخير، داعية المواطنين إلى عدم الالتفات للشائعات والأخبار غير الدقيقة واستقاء المعلومات من قنواتها الرسمية فقط.
وفي ذات السياق، شهدت المنطقة تعزيزات أمنية مكثفة وإغلاقاً تاماً للطرق المؤدية لموقع الانفجار لمنع وصول المدنيين إلى مناطق تطاير المقذوفات والذخائر غير المنفجرة، بينما ما تزال التحقيقات جارية لمعرفة الملابسات الدقيقة للحادث الذي تزامن مع زيارة رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى المدينة، مما يضفي أبعاداً سياسية وأمنية بالغة الحساسية على توقيت الانفجار.
تداعيات الأزمة وغياب المحاسبة.. حتمية إنهاء هيمنة الميليشيات المسلحة
تطرح حادثة انفجار مخزن مصراتة تساؤلات ملحة حول جدوى الخطط الأمنية الرامية إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية للدولة، في ظل استمرار سيطرة الكتائب والتشكيلات المسلحة على مفاصل الأمن المحلي في المدن الغربية والشرقية على حد سواء.
وتشير تقارير بعثة تقصي الحقائق الدولية بشأن ليبيا إلى أن الإفلات من العقاب هو السمة السائدة في التعامل مع جرائم وتجاوزات الميليشيات، حيث لا يتم إجراء تحقيقات شفافة ومستقلة في حوادث انفجار مخازن الأسلحة التي تتكرر دورياً في مدن مثل طرابلس ومصراتة بنغازي وغيرها.
إن استمرار هذا الوضع الكارثي يحتم على المجتمع الدولي والدبلوماسية الإقليمية ممارسة ضغوط حقيقية لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر 2020، والذي نص صراحة على تفكيك الميليشيات وإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، كخطوة لا غنى عنها لتهيئة الظروف المناسبة لبناء دولة مؤسسات ديمقراطية تحمي مواطنيها وإن أرواح المدنيين الأبرياء في ليبيا لا يمكن أن تظل رهينة لتوازنات القوى العسكرية وهيمنة أمراء الحرب الذين يتخذون من أمن الشارع الليبي ورقة ضغط سياسية واقتصادية لتحقيق مكاسبهم الشخصية والفئوية الضيقة على حساب وحدة واستقرار الوطن.

