تشهد الساحة السودانية المشتعلة تحولات جذرية بالغة الخطورة تفوق في تعقيداتها ساحات المعارك الميدانية، ولا سيما مع انفجار الخلافات الاستراتيجية والسياسية العميقة بين رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، وحاكم إقليم دارفور ورئيس حركة جيش تحرير السودان مني اركو مناوي.
إن هذه الأزمة المتصاعدة لم تعد مجرد تباين عابر في وجهات النظر، بل تحولت إلى قطيعة شاملة تهدد بتفكيك التحالفات الهشة وتغيير خريطة الصراع بأكملها في وقت يعاني فيه السودان من كارثة إنسانية غير مسبوقة.
وتؤكد التقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في تقريرها الصادر بتاريخ 15 يونيو 2026 أن النزاع المستمر منذ أبريل 2023 قد أسفر عن مقتل أكثر من 25 ألف مدني وتشريد ما يزيد عن 12 مليون شخص داخل وخارج البلاد، مما يجعل أي تصدع داخل المعسكر الحكومي أو حلفائه مفخخاً بتداعيات كارثية على وحدة الأراضي السودانية ومستقبل ملايين النازحين، هذا التقرير يغوص في تفاصيل هذه الخلافات المستحكمة مستنداً إلى أرقام وتقارير أممية وحقوقية حديثة وموثقة بالتواريخ والوقائع.
تبني مسار سياسي جديد لاستبعاد الحركات المسلحة وتهميش مني اركو مناوي
تتكدس الشواهد السياسية لتؤكد أن اعتماد الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان لمسار سياسي جديد لمعالجة الأزمة يأتي في صدارة أسباب الانفجار الوشيك مع حركات الكفاح المسلح.
فخلال الاجتماعات الموسعة التي عقدت في بورتسودان خلال شهر مايو 2026، كشفت مصادر مطلعة أن المؤسسة العسكرية اتجهت نحو صياغة مبادرة سياسية مستقلة تهدف إلى تشكيل حكومة انتقالية مصغرة تعتمد على تكنوقراط وشخصيات حزبية مدنية محددة، مع استبعاد كامل للحركات المسلحة وفي مقدمتها حركة مني اركو مناوي من أي مناصب سيادية أو تنفيذية مقبلة.
هذا التحول الاستراتيجي أثار حفيظة قيادات دارفور التي اعتبرت أن الجيش يحاول القفز على التضحيات الميدانية والسياسية التي قدمتها الحركات المسلحة طوال سنوات النزاع.
وتفيد تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية في أبريل 2026 بأن استبعاد الشركاء المحليين من مسارات صنع القرار يهدد بتقويض اتفاق جوبا للسلام الموقع في عام 2020، ويخلق بيئة حاضنة لمزيد من الانقسامات المسلحة التي تغذي دوامة العنف وتعمق جراح المدنيين العزل في إقليم دارفور وباقي الولايات المنكوبة.
اتهامات متبادلة حول ضعف الفعالية الميدانية وتلقي الدعم المادي واللوجستي
يتصاعد التوتر الخفي والمعلن بين الجانبين على خلفية استياء الفريق عبدالفتاح البرهان الشديد من ضعف الفعالية العسكرية لقوات مني اركو مناوي على الأرض، بالرغم من حصولها على دفعات ضخمة من الدعم المادي والعسكري واللوجستي من خزينة الدولة وموارد الجيش.
حيث تشير المعطيات الميدانية والتقارير الاستخباراتية إلى أن القيادة العامة للجيش كانت تنتظر من حركات دارفور المتحالفة معها دورًا هجوميًا حاسمًا في تأمين خطوط الإمداد وصد تقدم قوات الدعم السريع في المحاور الغربية والجنوبية، إلا أن الأداء الميداني شابته حالة من الجمود والتراجع.
وفي المقابل، ترد قيادات حركة مناوي بأن هذا الدعم المادي المزعوم لم يكن بالقدر الكافي أو المنتظم، وأن قواتها خاضت معارك طاحنة بإمكانيات شحيحة ودون تغطية جوية ملائمة. هذا التباين في تقييم الأداء الميداني أفرز أزمة ثقة خانقة حولت العلاقة بين الطرفين من شراكة عسكرية تكتيكية إلى صراع اتهامات متبادلة حول المسؤولية عن الهزائم والخسائر المتتالية التي تكبدها المعسكر الحكومي في عدد من المدن الاستراتيجية الحيوية خلال النصف الأول من عام 2026.
انسحاب قوات مناوي من خطوط الفتح العسكري ورفض تولي المناصب السياسية
وتجسدت ذروة الأزمة في قرار مني اركو مناوي سحب أجزاء واسعة من قواته من محاور القتال الرئيسية في إقليم دارفور وولايات أخرى، وذلك على خلفية تأزم الخلافات الجذرية مع عبدالفتاح البرهان الذي يرفض بشكل قاطع أي دور سياسي أو منصب حكومي مستقبلي لمناوي وجماعته.
حيث تؤكد مصادر عسكرية موثقة أن قرار الانسحاب المفاجئ أحدث فراغًا أمنيًا كبيرًا في عدة نقاط دفاعية حساسة، مما سهل على الأطراف المنافسة للجيش السيطرة على مواقع استراتيجية جديدة.
وقد جاء هذا القرار التصعيدي بعد أن اصطدمت طموحات مناوي السياسية برفض رئاسي صارم لتولي حقائب وزارية رئيسية أو مناصب سيادية في الهيكل المرتقب للحكومة الانتقالية، حيث يصر البرهان على حصر دور الحركات المسلحة في الشق العسكري البحتي دون أي شراكة في القرار السياسي. هذا التعنت المتبادل أدى إلى شلل عملياتي كامل وأثبت عجز التحالف الحالي عن إدارة المعركة العسكرية والسياسية بنجاح، مما دفع الأوضاع نحو حافة الهاوية وهدد بانهيار ما تبقى من جبهة التحالف الحكومي في مواجهة التحديات المصيرية التي تواجه الدولة السودانية.
اتهام الجيش بالتهاون ورفض المشاركة في العمليات وتداعيات الاستبعاد السياسي
لم تقتصر الخلافات على الجانب اللوجستي والميداني، بل امتدت لتشمل اتهامات متبادلة بالتهاون والتخاذل في إدارة العمليات القتالية الكبرى، حيث يتهم عبد الفتاح البرهان والدوائر المقربة منه في القيادة العسكرية مني اركو مناوي بالتعمد في تجميد نشاط قواته ورفض المشاركة الفاعلة في العمليات العسكرية الهجومية الأخيرة التي أطلقها الجيش في الخرطوم وبابنوسة، مفضلًا الاحتفاظ بقواته كأوراق ضغط سياسية لمكاسب مستقبلية.
وفي المقابل، يشن مناوي وأنصاره هجمات سياسية ضارية متهمين الجيش وقيادته بالتفريط في الأهداف الوطنية الكبرى ومحاولة تهميش الحركات التي دافعت عن وحدة البلاد.
وتوثق تقارير المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تقرير دوري صدر مطلع مايو 2026 أن استمرار هذه الخلافات العبثية بين القيادات العسكرية والسياسية المتحالفة يعرض المدنيين الأبرياء لمزيد من الانتهاكات الجسيمة، حيث ترتفع معدلات النزوح القسري ونقص الإمدادات الغذائية والدوائية نتيجة انشغال الأطراف المتحاربة بصراعات النفوذ والمصالح الشخصية على حساب دماء الشعب السوداني.
اتهامات بخصوص قضية دارفور ومآلات الحل السياسي الشامل في السودان
وتُوجت حلقة الخلافات العميقة باتهامات خطيرة وجهها مني اركو مناوي للبرهان والقيادة العسكرية بالتنازل الفعلي عن قضية دارفور وحقوق أهل الإقليم التاريخية في أي مسارات للحل السلمي أو المبادرات السياسية المطروحة لمعالجة الأزمة الراهنة.
حيث يرى مناوي أن المفاوضات السرية والعلنية التي يجريها الجيش مع أطراف إقليمية ودولية تتجاهل تماماً المظالم التاريخية لأهل دارفور وتهمش مطالبهم المشتركة في العدالة الانتقالية وتقاسم السلطة والثروة.
وتحذر تقارير مجموعة الأزمات الدولية الصادرة في يونيو 2026 من أن هذا التناحر المستمر حول هوية الدولة وشروط التسوية السياسية ينذر بانفجار إقليمي واسع النطاق يهدد بتقسيم السودان فعليًا إلى كانتونات عسكرية متصارعة.
إن الأوضاع الإنسانية والأمنية الخطيرة تستوجب ضغطًا دوليًا وأمميًا عاجلًا لوقف هذا التدهور المريع، وإلزام كافة الأطراف بتغليب مصلحة الوطن العليا، والابتعاد عن تصفية الحسابات السياسية الضيقة على حساب وحدة واستقرار الأراضي السودانية وسلامة مواطنيها.

