تخنق أزمة مالية غير مسبوقة شرايين الدولة العراقية، دافعة الخزينة العامة نحو حافة الإفلاس التام وسط عجز حكومي فاضح عن تأمين رواتب الموظفين في مواعيدها المعتادة، وهو ما يعكس هشاشة الهيكل الاقتصادي المرتبط كليًا بريع النفط وانعكاسات الصراعات الإقليمية المشتعلة.
وفي تطور خطير يؤكد عمق المأساة، أقر الناطق باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، في تصريحات متلفزة صدرت في أواخر يوليو 2026، بأن الحكومة قد تجد نفسها مجبرة على خيار الاقتراض الداخلي والخارجي المرير إذا استمر إغلاق مضيق هرمز وتعطل حركة الملاحة النفطية.
وتأتي هذه الاعترافات الرسمية المفجعة بعد موجة من التساؤلات الشعبية والبرلمانية الواسعة عقب تأخر الإعلان الرسمي عن إطلاق تمويل الرواتب، بالتزامن مع تفجر فضائح فساد كبرى بمليارات الدولارات نهبت من المال العام، مما جعل الدولة عاجزة عن الوفاء بأبسط التزاماتها المعيشية تجاه ملايين العراقيين الذين يكتوون بنار الغلاء وانقطاع سبل العيش.
صدمة “ليس هناك مال” واعترافات الوزراء بتعثر الخزينة
لم تقتصر الأزمة على التصريحات الحكومية العامة، بل توجت باعترافات غير مسبوقة أدلى بها وزير الصحة عبد الحسين الموسوي في تصريح متلفز هز الشارع العراقي، حيث أقر بوضوح قائلًا: “ليس هناك مال”، مؤكدًا أن رئيس الوزراء يعيش حالة من الحيرة والارتباك البالغ كيف يؤمن الرواتب الشهرية لموظفي الدولة.
وتكشف هذه التصريحات عن حجم الفجوة المالية الهائلة التي تعاني منها خزينة الدولة، والتي تفاقمت بفعل التبعات المباشرة لتصعيد الأزمات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز أمام شحنات النفط العراقي المصدرة عبر الخليج العربي.
وفي سياق متصل، حذرت تقارير أممية صادرة عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي -في تقارير دورية صدرت خلال النصف الأول من عام 2026-، من أن استمرار العجز المالي في تغطية النفقات التشغيلية سؤدي حتمًا إلى كارثة إنسانية وانهيار كامل في شبكات الأمان الاجتماعي، فضلاً عن شلل شبه تام في القطاعات الحيوية كالصحّة والتعليم، مما يهدد بدفع نسبة كبيرة من العراقيين نحو مستويات غير مسبوقة من الفقر المدقع.
سطوة المليشيات والتبعية السياسية لطهران في تفاقم المأساة
على الصعيد السياسي والميداني، يرى مراقبون وخبراء اقتصاديون، أن الأزمة الحالية ليست سوى انعكاس طبيعي لهيمنة الفصائل والمليشيات المسلحة المرتبطة بولاية الفقيه في إيران على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي في بغداد، حيث تستزف مقدرات الدولة لتمويل أجندات خارجية على حساب لقمة عيش المواطن العراقي.
تشهد الدولة العراقية منذ مطلع عام 2026 أسوأ أزمة مالية وهيكلية في تاريخها المعاصر، نتيجة التقاء أزمات هدر المال العام والفساد المستشري بتداعيات الصراع الإقليمي المشتعل في منطقة الخليج ومضيق هرمز.
وبحسب التقارير الصادرة عن البنك الدولي وبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) -في تقاريرها الدورية خلال النصف الأول من عام 2026-، فإن الاعتماد المطلق على العائدات النفطية أحادي المصدر جعل الخزينة العامة رهينة للتقلبات الخارجية، خاصة مع تعطل صادرات النفط العراقية جراء التوترات الأمنية وحصار الممرات المائية الحيوية.
وعلى الصعيد الميداني والمؤسسي، كشفت تقارير منظمات حقوقية ومحلية مستقلة توثق الشأن العراقي أن هيمنة المليشيات المسلحة والفصائل المرتبطة بأجندات إقليمية على مفاصل الاقتصاد والسيطرة على المنافذ الحدودية أدت إلى استنزاف هائل للموارد، مما تسبب في عجز حكومي متكرر عن الوفاء بالتزامات الدولة الأساسية وفي مقدمتها صرف رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين في مواعيدها المحددة.
وأشارت بيانات وزارة التخطيط العراقية والتقارير الأممية إلى أن نسب الفقر تجاوزت معدلات خطيرة في المحافظات الوسطى والجنوبية، بالتزامن مع شلل تام في إنجاز المشاريع التنموية والخدمية وانهيار البنية التحتية لقطاع الصحة والتعليم.
وحذرت تقارير مجموعة الأزمات الدولية من أن استمرار العجز المالي الحاد وتهديدات الإفلاس قد يدفعان الشارع العراقي نحو موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية العارمة التي تهدد بالسقوط الكامل لمؤسسات الدولة، وسط عجز حكومي عن إيجاد حلول جذرية سوى اللجوء إلى خيارات الاقتراض الداخلي والخارجي المؤقتة التي تضاعف من حجم الدين العام وتثقل كاهل الأجيال القادمة بأعباء اقتصادية لا تطاق.

