في تطور غير مسبوق يعكس عمق الأزمة التي يمر بها النظام الإيراني، ما يزال مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد للجمهورية، متمسكًا بالغياب عن الظهور العلني منذ توليه السلطة خلفا لوالده الراحل علي خامنئي.
هذا الغياب، الذي أثار تساؤلات حادة في الأوساط السياسية الدولية، يأتي في وقت تمر فيه البلاد بمرحلة انتقالية شديدة الحساسية، أعقبت مقتل والده في ضربة جوية مشتركة في فبراير 2026، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة سيطرته على مقاليد الحكم المتهالك.
اكتفى مجتبى، الذي يبلغ من العمر 56 عامًا، بإصدار رسائل مكتوبة كان أحدثها تعهده بـ “الثأر” لوالده، في محاولة يائسة لاحتواء التصدعات الداخلية.
ورغم انتهاء مراسم التشييع الشعبية التي استغرقت أيامًا وشملت طهران وقم والنجف وكربلاء وصولاً إلى مشهد، لم يظهر المرشد الأعلى الجديد ولو لمرة واحدة، وهو ما يفسره مراقبون بأنه “خوف من المصير المجهول” أو ارتباك أمني عميق، خاصة بعد التقارير التي أشارت إلى إصابته في الهجوم نفسه الذي أودى بحياة والده في 28 فبراير الماضي.
استراتيجية القمع: كيف يواجه النظام غضب الداخل؟
في الوقت الذي يتوارى فيه مجتبى عن الأنظار، تستعر نيران القمع في الشوارع الإيرانية، حيث وثقت تقارير “منظمة العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” لعام 2026 حملة عسكرية الطابع شنتها السلطات ضد المحتجين.
وتشير البيانات إلى أن السلطات الإيرانية اعتقلت آلاف الأشخاص منذ يناير 2026، واستخدمت العنف المفرط ضد عائلات الضحايا الذين طالبوا باستلام جثامين أبنائهم، حيث أجبرت تلك العائلات على توقيع وثائق رسمية تزعم أن قتلاهم كانوا من عناصر “الباسيج” وأنهم قتلوا على يد متظاهرين، في محاولة مكشوفة لتزييف الحقائق التاريخية.
وأكد فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، في شهادته أمام مجلس حقوق الإنسان، أن إيران أعدمت ما لا يقل عن 40 شخصًا منذ بداية العام 2026، 18 منهم على الأقل من المتظاهرين الذين وُجهت لهم تهمًا ملفقة تتعلق بـ “الأمن القومي”.
هذا التصعيد الوحشي ليس مجرد استجابة لمظاهرات اقتصادية أو سياسية، بل هو جزء من استراتيجية بقاء للنظام تعتمد على “التخويف” و”الإعدامات العلنية” لكسر إرادة شعب يرزح تحت وطأة الفقر والقمع العابر للحدود.
الغياب المتعمد: هل هي مخاوف أمنية أم أزمة شرعية؟
إن إصرار مجتبى خامنئي على التواصل عبر “بيانات مكتوبة” يفتح الباب أمام تحليلات تربط بينه وبين الإصابة الخطيرة التي تعرض لها، حيث تشير بعض المصادر إلى أن الإصابة ربما أثرت على قدرته على ممارسة مهامه بشكل طبيعي، أو أن الأجهزة الأمنية الإيرانية تفرض عليه “عزلة قسرية” خوفاً من استهدافه مجددًا.
الغياب عن جنازة والده، وعن استقبال الوفود الأجنبية في طهران، وعن مراسم دفنه في مشهد، يكشف عن هوة سحيقة بين السلطة والشعب، فكيف لمرشد يزعم تمثيل “الثورة” أن يختبئ من “رعيته” في لحظة وداع الزعيم السابق؟
وتؤكد تقارير “بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران”، أن النظام استمر في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية طوال عام 2026، حيث تم فرض إغلاقات شاملة للإنترنت لمنع تدفق المعلومات وتوثيق الجرائم، مما يشي بأن غياب المرشد هو غطاء لعمليات “تطهير” أمنية داخلية، تسعى لاستبدال القيادات الموالية للراحل بوجوه جديدة موالية لمرشد لم يره أحد بعد.
توثيق الحقوق والعدالة الدولية: شهادات لا تموت
وتستند المنظمات الحقوقية في توثيقها لجرائم النظام الإيراني إلى بيانات رسمية نشرتها وسائل إعلام الدولة نفسها، والتي تفاخرت بانتزاع “اعترافات” من المتظاهرين تحت التعذيب وبثها قسرًا، في انتهاك صارخ للمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
لقد تسبب النزاع الذي اندلع في فبراير 2026 في أثر مدمر على حقوق الإنسان، حيث تعيش المدن الإيرانية حالة من العسكرة الخانقة، حيث يتم قمع أي تجمع سلمي بالرصاص الحي دون تحذير، وهو ما دفع المجتمع الدولي للمطالبة بضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الفظائع.

