في لحظة تاريخية فارقة، يكتب البرلمان التونسي فصلاً جديدًا من فصول مواجهة التطرف، حيث تحرك النواب نحو استئصال “الجهاز السري” لحركة النهضة، ذلك الكيان الذي لطالما عمل كذراع أمنية وعسكرية موازية للدولة، موظفاً قدراته الاستخباراتية لاختراق مفاصل السيادة التونسية.
إن هذا التحرك البرلماني ليس مجرد إجراء إداري، بل هو استجابة لمسار قضائي طويل أثبت بالوثائق والقرائن تورط هذا الأخطبوط في جرائم استهدفت أمن الجمهورية واستقرارها الوطني.
لم يكن “الجهاز السري” مجرد تفصيلة جانبية في عمل الإخوان بتونس، بل كان بمثابة “دولة داخل الدولة”، تدير عمليات تجسس وتلاعب بمصير المعارضين، وصولاً إلى الاغتيالات السياسية التي هزت ضمير الشعب التونسي، واليوم، يتصاعد الضغط الشعبي والقانوني بعد أن كشفت المحاكم التونسية في أحكامها الصادرة بتاريخ 2 يونيو 2026 عن حجم التغلغل الإجرامي لهذا التنظيم، مما جعل تصنيفه كـ “منظمة إرهابية” ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من مؤسسات الجمهورية التونسية من الاختراق الإخواني.
المسار القانوني: نحو إنهاء التواجد الإخواني في المشهد السياسي
وتعتمد المبادرة التشريعية التي قدمتها النائبة فاطمة المسدي مع عشرة نواب آخرين على فهم دقيق للثغرات التي استغلها التنظيم على مدار عقد من الزمان. يهدف مشروع القانون، في فصوله الستة، إلى حماية الأمن القومي التونسي عبر الحل الفوري لكافة الهياكل المرتبطة بحركة النهضة، واعتبار كل من ثبت ارتباطه بها تنظيميًا أو ماليًا كيانًا إرهابيًا خاضعًا لقانون مكافحة الإرهاب، وهو ما يغلق الباب أمام محاولات إعادة التموضع السياسي.
ومن الناحية القانونية، يوضح الخبراء التونسيون أن هذا التحرك البرلماني يمثل “مسارًا مختصرًا” لا يتطلب سنوات من التقاضي، بل يعتمد على السلطة التشريعية في إضفاء الصبغة الإرهابية على التنظيم.
وبمجرد المصادقة على القانون بالأغلبية المطلقة، ستنتقل حركة النهضة من وضع “الحزب المجمّد” إلى “التنظيم المحظور والمصنف إرهابياً”، مما يترتب عليه مصادرة كافة الأصول المالية والحسابات البنكية، وهو ما يعد ضربة قاضية لتمويلات التنظيم الدولية التي كانت تستخدم في تقويض سيادة الدولة.
حقائق موثقة: من اغتيالات “بلعيد” و”البراهمي” إلى السجون
وتعود الجذور الأولى لفضح هذا الأخطبوط إلى عام 2018، عندما كشفت هيئة الدفاع عن السياسيين المغتالين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عن وثائق استخباراتية كانت بحوزة “مصطفى خذر”، الذي كان المشرف المباشر على الجهاز السري.
هذه الوثائق لم تكن مجرد أوراق، بل كانت “خريطة طريق” للإجرام، تضمنت أسماء شخصيات أمنية وعسكرية، وخططاً لاختراق مؤسسات الدولة، بل وحتى رصدًا لتحركات خصوم الحركة بهدف تصفيتهم جسديًا، وهي وقائع وثقتها تقارير دولية وأممية تتبعت أنشطة الجماعات المتطرفة في المنطقة.
ولقد توجت هذه الجهود القضائية بالقرار التاريخي الصادر في يونيو 2026، حيث أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب أحكامًا وصلت للسجن المؤبد بحق زعيم الحركة راشد الغنوشي، إضافة إلى عقود طويلة من السجن لبقية القيادات المتورطة.
هذه الأحكام، التي استندت إلى أدلة دامغة، تمثل حجة قانونية لا تقبل التأويل، وتؤكد للمجتمع الدولي أن ما قامت به قيادات النهضة كان جرائم ضد الإنسانية والأمن الوطني التونسي، وليس مجرد ممارسات سياسية كما حاولوا ترويجها سابقًا.
انعكاسات تصنيف “الإخوان” كمنظمة إرهابية
إن تحويل الحركة إلى تنظيم إرهابي بقوة القانون يعني تفعيل “العزل السياسي الشامل”، بحيث يُمنع كل من تقلد مسؤولية داخل الحزب من الترشح للانتخابات أو تولي مناصب عامة لمدة عشر سنوات.
هذا الإجراء يمنع توريث النفوذ الإخواني في الدولة، ويضمن عدم عودتهم تحت واجهات حزبية جديدة. كما أن الانتماء للحزب أو الترويج له أو رفع شعاراته سيتحول تلقائيًا إلى “جريمة إرهابية”، مما يجفف البيئة الحاضنة للتطرف داخل المجتمع.
وعلى الصعيد الميداني، يؤكد مراقبون تونسيون، أن الحركة تعيش حالة من التفكك الكامل، فمقارها مغلقة وقادتها خلف القضبان، وفقدت قاعدتها الشعبية التي صُدمت بحجم الفساد المالي والأخلاقي الذي كشفته قضايا “التسفير إلى بؤر التوتر”.
إن هذا الانهيار التنظيمي يعزز من فرص تونس في الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة تعتمد على الوطنية الصادقة بدلاً من الأجندات العابرة للحدود التي خدمت مصالح تنظيم دولي على حساب دماء أبناء تونس.
إن المعركة ضد “الجهاز السري” كانت بمثابة معركة بقاء للدولة التونسية؛ فالتنظيم كان يسعى منذ ما قبل 2011 للتسلل عبر البوابات الديمقراطية لهدم البيت من الداخل، ولكن يقظة القضاء التونسي وتضحيات هيئات الدفاع وشجاعة البرلمانيين الأحرار أفشلت هذا المخطط الإجرامي.
اليوم، تقف تونس في صدارة الدول التي كشفت حقيقة الإخوان، ليس من خلال الشعارات، بل من خلال الأرقام، والأحكام القضائية، والوثائق التي لم تعد تترك مجالاً للشك في طبيعة هذا التنظيم الذي يرى في الديمقراطية “وسيلة” لا “غاية”.

