في مشهد يعكس ذروة الاحتقان الشعبي ضد الممارسات الحوثية، تحولت الأعراف القبلية اليمنية الأصيلة التي كانت يومًا ملاذًا للمظلوم ودرعًا للكرامة، إلى أداة ابتزاز سياسي وعسكري بيد جماعة الحوثي، التي تسعى جاهدة لكسر شوكة القبائل وإجبارها على الانخراط في “عملية تجميع ولائية” تتجاوز الانتماءات الاجتماعية إلى فرض الولاء القسري بالدم والسلاح، في محاولة يائسة لاحتواء الحراك القبلي المتصاعد الذي يهدد تماسك سلطتها.
إن هذه السياسات الحوثية لا تمثل مجرد إجراء أمني، بل هي استراتيجية ممنهجة لتقويض البنية القبلية اليمنية وتحويلها إلى مجرد “خزان بشري” لخدمة الأجندة العسكرية للجماعة، وهو ما يضع النسيج الاجتماعي اليمني أمام مفترق طرق خطير.
حيث يتم التلاعب بالأعراف تحت تهديد الاعتقال والتنكيل لمن يجرؤ على مخالفة أوامر “المشرفين”، مما يحول مفهوم “النكف القبلي” من قيمة نبيلة إلى “أكذوبة تعبوية” هدفها الوحيد هو شرعنة القمع وإعادة إنتاج السلطة عبر الترهيب.
تقارير أممية وتوثيق للجرائم الممنهجة: القمع كسياسة حكم
ولا يمكن قراءة هذه التحركات بمعزل عن السجل الحقوقي الأسود للجماعة، حيث أكدت تقارير أممية صادرة عن فريق الخبراء المعني باليمن في أواخر عام 2025 أن جماعة الحوثي تتبع نمطًا ممنهجًا في قمع المخالفين سياسيًا واجتماعيًا، من خلال الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري.
وقد وثقت تقارير صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان خلال العام 2026 وجود أدلة متزايدة على استخدام الجماعة لسياسات “التجويع” وقطع المساعدات الإنسانية كأداة ضغط ضد القبائل التي ترفض الانصياع لأوامر الحشد، مما يعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني الذي يصنف هذه الممارسات كجرائم حرب.
وتشير التقارير الحقوقية الصادرة عن منظمة “هيومن رايتس ووتش” لعام 2025 إلى أن الجماعة مارست أبشع أشكال الترهيب ضد الوجاهات القبلية، حيث تم وضع العديد من الأعيان تحت إجراءات تشبه “الإقامة الجبرية” لمجرد رفضهم المشاركة في فعاليات الحشد، وهو ما يعكس انفصامًا تامًا بين ادعاءات الحوثي بتبني قيم القبيلة وبين الممارسة الواقعية التي تستهدف إخضاعها.
تفكيك البنية القبلية: استراتيجية “التجييش” بدلًا من الحوار
وتعتمد الجماعة في استراتيجيتها الحالية على “شيطنة” أي حراك شعبي وتصويره كخيانة عظمى، حيث أطلقت حملة واسعة في محافظة الجوف والمناطق المحيطة بها، مستخدمةً شخصيات قبلية نافذة موالية لها لمحاولة ضرب التكتل القبلي المناهض من الداخل.
وتقوم هذه الاستراتيجية على مبدأ “الاستقطاب القسري”، حيث يتم الضغط على مشايخ القبائل لتقديم تعهدات بالولاء المطلق، وتهديدهم بتحميلهم مسؤولية أي حراك مناهض داخل قبائلهم، وهو ما اعتبره خبراء قانونيون محاولة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي اليمني على أسس قسرية تفتقر لأي شرعية شعبية.
إن هذه الممارسات أدت إلى نشوء حالة من “الاحتقان المكتوم” في أوساط القبائل، التي ترى في تصرفات الحوثيين إهانة لتاريخها وتراثها، حيث باتت الأعراف القبلية اليوم تُنتهك بشكل يومي على أيدي مشرفي الجماعة الذين لا يتورعون عن اعتقال النساء أو إهانة كبار السن لإجبارهم على الخضوع.
“النكف” بين الأصالة والتحريف: كيف يقتل الحوثي قيم القبيلة؟
ويعد “النكف القبلي” آلية دفاعية تعبوية نبيلة يتم اللجوء إليها نصرةً للمظلوم، إلا أن الجماعة سعت لتحريفه ليصبح “أداة قمع”، حيث تقوم بحشد القبائل الموالية لها للقيام بـ “نكف مضاد” يهدف لتطويق المظالم الشعبية ومحاصرة أي صوت يطالب بالحقوق، خاصة في قضية الشيخ “حمد بن فدغم الحزمي” التي كشفت عورتهم أمام المجتمع.
إن اعتقال الحزمي وإهانته لمجرد وقوفه إلى جانب امرأة استولى قياديون حوثيون على منزلها، يمثل ذروة الانتهاكات التي تمس “شرف القبيلة” في اليمن، وهو ما دفع الآلاف للتحشيد في منطقة “الريان”، ليس حباً في السياسة، بل دفاعاً عن كرامة باتت مهددة من سلطة أمر واقع لا تعترف بأي أعراف سوى القوة.
هذا الحراك القبلي يعيد التأكيد على أن الجماعة فقدت حاضنتها الشعبية، ولم تعد تملك في مواجهة الغضب القبلي سوى لغة التهديد والاعتقال، مما يضعها في مواجهة مباشرة مع بيئة اجتماعية لا تزال تمتلك أدوات الرفض والتصدي لسياسات الإقصاء.
أرقام ووقائع: الحوثي في مواجهة العزلة الشعبية
وتفيد الإحصاءات الميدانية المسربة من صنعاء أن أكثر من 80% من الاجتماعات القبلية التي دعت لها الجماعة خلال الشهر الماضي فشلت في تحقيق أهدافها، حيث رفضت قبائل “همدان” و”أرحب” الانصياع لأوامر الحشد، مؤكدةً أن الأعراف لم تعد محمية في ظل تغول المشرفين الحوثيين.
هذا الفشل الذريع في الحشد يعزز من فرضية العزلة التي يعاني منها قادة الحوثي، الذين لجأوا إلى عقد لقاءات سرية في الفنادق بعيدًا عن أعين الناس، خوفًا من انكشاف حجم الرفض الشعبي الواسع الذي يواجهونه، خاصة بعد تزايد الأعباء المعيشية التي تسببت فيها سياساتهم.
لماذا يتخوف المجتمع الدولي من سياسات الحوثي القبلية؟
وترى المنظمات الحقوقية الدولية أن محاولة الحوثي تحويل القبائل إلى “ميليشيات تعبوية” هي عملية تهدد أمن واستقرار اليمن على المدى الطويل، حيث يتم شحن الأجيال الشابة بكراهية الآخر وتغذية الثارات القبلية التي قد تغرق البلاد في صراعات لا تنتهي.

