ذات صلة

جمع

“الجمهورية المارقة”.. كيف تحولت إيران إلى تهديد وجودي للأمن الإقليمي؟

تشهد منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره حالة غير مسبوقة...

أنشطة دموية وترهيب داخلي.. لماذا حظرت لندن الحرس الثوري الإيراني؟

أعلنت الحكومة البريطانية رسميًا إدراج الحرس الثوري الإيراني على...

إيران.. دولة بوليسية تعيش على “برميل بارود” من الغضب الشعبي المتصاعد

في قلب الشرق الأوسط، تقف إيران كدولة تعيش حالة...

فخ “الأبيض”.. كيف يصنع الجيش السوداني والإخوان رواية استباقية لتبرير معاركهم؟

تتعرض مدينة "الأبيض" في شمال كردفان لمحاولات تطويق إعلامي...

كبح جماح المسيرات.. هل تُعيد تل أبيب رسم حدود اللعبة في جنوب لبنان؟

تُواجه الجبهة اللبنانية اليوم بوادر تحول عميق وغير مسبوق في طريقة إدارة تل أبيب لعملياتها العسكرية على الحدود الشمالية، وبعد أشهر طالت من القصف المتبادل والعمليات المفتوحة، بدأت ملامح استراتيجية إسرائيلية جديدة تلوح في الأفق، حيث تخلت تل أبيب عن “التفويض المطلق” وحرية الحركة الواسعة التي تمتع بها جيشها في الجنوب اللبناني، لتستبدلها بآلية مشددة تضبط استخدام القوة وترهن القرارات الميدانية بحسابات المستويات القيادية والسياسية العليا.

ويأتي هذا الانعطاف الميداني في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، مدفوعًا بالتفاهمات الأخيرة بين واشنطن وطهران، والمساعي الدولية الحثيثة لمنع خروج المواجهة عن السيطرة.

وأمام هذه المعادلة المستجدة، تبدو جبهة الجنوب اللبناني تقف على عتبة مرحلة انتقالية قد تطيح بقواعد الاشتباك التقليدية التي سادت طوال الفترة الماضية.

مركزية القرار: سحب بساط المبادرة من الميدان

وفقًا لما أوردته تقارير إعلامية صادرة عن إذاعة الجيش الإسرائيلي، فقد تلقت قيادة المنطقة الشمالية توجيهات صارمة تقضي بفرض “تهدئة شبه كاملة” للعمليات في جنوب لبنان، وجاءت هذه الأوامر المفاجئة قبيل جولة التصعيد الأخيرة التي أسفرت عن مقتل خمسة جنود إسرائيليين، وقبل الإعلان الرسمي عن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية.

وتشير القراءة الميدانية لهذه التعليمات إلى فرض قيود صارمة على قادة الفرق والمناطق العسكرية، إذ سحبت منهم صلاحيات المبادرة بشن ضربات أو عمليات خاطفة، وأصبحت أي خطوة هجومية “خاصة الغارات الجوية والاستهدافات المركزة” تتطلب ضوءًا أخضر مباشرًا من رئيس الأركان، أو موافقة صريحة من الكابينت السياسي.

هذا التحول الهيكلي نقل الجيش الإسرائيلي من نمط “الهجوم المرن والسريع” إلى مربع “الحذر الشديد والتقييد الصارم”، ولم تعد هذه القيود مقتصرة على العمق اللبناني فحسب، بل انسحبت أيضًا على خطوط التماس والمناطق القريبة من انتشار القوات، مما أثار حفيظة ضباط ميدانيين رأوا في هذه الخطوة تقويضًا لقدرة الجيش على توجيه ضربات استباقية لحزب الله أو الاستجابة السريعة للتهديدات الوشيكة.

وينسجم هذا التراجع الميداني في الجنوب مع الانكفاء الإسرائيلي السابق عن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت ومنطقة البقاع تحت وطأة الضغوط الأميركية، مما يعني أن الهامش الأخير للمناورة الإسرائيلية بدأ يتآكل بوضوح.

الدبلوماسية تسبق المدافع: حسابات واشنطن وطهران

لا يمكن عزل هذا الانضباط العسكري الإسرائيلي المفاجئ عن كواليس السياسة الدولية، التحول يتزامن مباشرة مع الحراك الإداري للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والنجاح في بلورة مذكرة تفاهم مع إيران تهدف إلى خفض منسوب التوتر في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، تبذل واشنطن ثقلًا دبلوماسيًا كبيرًا لضمان عدم قيام تل أبيب بأي خطوة عسكرية غير محسوبة قد تنسف التفاهمات الناشئة أو تعطل مسار التفاوض الإقليمي، لكن، وفي مقابل رغبة البيت الأبيض في التهدئة، تصطدم هذه السياسة بجدار القلق داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

ويبدي قادة ميدانيون مخاوف حقيقية من أن يؤدي تكبيل حركة الجيش إلى منح حزب الله فرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب صفوفه، وتعزيز قدراته الدفاعية والهجومية على طول الحدود الشائكة.