ذات صلة

جمع

كيف حوّل الحرس الثوري منصب المرشد إلى مجرد “ختم شرعي”؟

بينما كانت نيران الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل ما...

الغرف المظلمة.. هل تطوي تونس صفحة “الخيانة والعمالة” بقرارات قضائية نهائية؟

بين ردهات المحاكم التونسية وصرخات الشارع المطالب بالمحاسبة، يقف...

فتاوى الدم وإسقاط الدولة.. سجل الصادق الغرياني في تأجيج الصراعات الليبية

بينما يصارع الليبيون من أجل استعادة دولتهم المنهكة من...

جنوب لبنان تحت القصف.. تصعيد إسرائيلي يُوسّع دائرة الاستهداف

يتواصل التصعيد العسكري في جنوب لبنان بوتيرة متسارعة، مع...

كيف حوّل الحرس الثوري منصب المرشد إلى مجرد “ختم شرعي”؟

بينما كانت نيران الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل ما تزال تشتعل في أطراف طهران، شهدت إيران تحولاً هو الأضخم في تاريخها الحديث منذ ثورة 1979؛ تحولاً أطاح بصورة “الحاكم الأوحد” الذي لا يُنازع، ليحل محله مشهد ضبابي تسيطر عليه فوهات البنادق.

فبعد رحيل علي خامنئي في أول أيام الحرب، وجد ابنه مجتبى نفسه على قمة الهرم، لكنه ليس الهرم الذي عرفه والده، بل هيكلاً مشوهًا تآكلت فيه سلطة رجال الدين لصالح جنرالات الحرس الثوري..

إن مجتبى خامنئي، الذي طالما أُعد ليكون الوريث الشرعي، تحول اليوم إلى “حاكم صوري” يفتقر إلى الكاريزما الدينية والقدرة البدنية، ليصبح مجرد “ختم شرعي” يضفي المشروعية على قرارات تُصاغ في دهاليز الاستخبارات العسكرية، هذا الانفصال المفاجئ عن إرث الماضي لم يغير ملامح الحكم فحسب، بل أطلق العنان لسياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي لا يرحم، مما يضع العالم أمام “إيران جديدة” لا يحكمها الفقيه، بل يديرها قادة الحرس الثوري الذين وجدوا في الحرب فرصتهم الذهبية لابتلاع الدولة وتهميش “العمامة” إلى الأبد.

عسكرة القرار السيادي: عندما تصبح “العمامة” غطاءً للجنرالات

منذ عقود، دار الحكم في إيران في فلك “المرشد الأعلى” بوصفه صاحب القول الفصل، لكن مقتل علي خامنئي وتولي ابنه مجتبى -الذي يعاني من إصابات بالغة- أدى إلى ظهور نظام هجين يفتقر إلى المرجعية الحاسمة.

وتؤكد التقارير، أن سلطة اتخاذ القرار انتقلت بالكامل إلى دائرة ضيقة من غلاة المحافظين في الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي، مجتبى خامنئي، الذي يتواصل مع العالم عبر مساعديه العسكريين فقط بسبب القيود الأمنية.

لم يعد يملك القدرة على إصدار التوجيهات، بل يقتصر دوره على “المصادقة” على ما يتم التوصل إليه من توافقات مؤسسية بين قادة القطاع الأمني، هذا التحول من “السلطة الدينية” إلى “السلطة العسكرية” يمثل انهيارًا لمفهوم الولي الفقيه التقليدي.

حيث أصبح الحرس الثوري هو المحرك الفعلي للاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الكبرى، بينما يظل مجتبى في الخلفية كواجهة رمزية لمنع انهيار النظام أمام الجماهير الغاضبة.

الاستراتيجية “الوحيدية”: كيف يقود أحمد وحيدي خيوط التفاوض والحرب؟

في ظل غياب القائد القوي، برزت أسماء عسكرية لتملأ الفراغ، وعلى رأسهم أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري الذي يوصف الآن بأنه “المحاور الحقيقي” وصانع القرار في ليل طهران، وبينما كان وزير الخارجية عباس عراقجي يحاول رسم وجه دبلوماسي في المحادثات الدولية، كانت الخيوط الحقيقية بيد وحيدي والجنرالات الذين يرفضون تقديم أي تنازلات جوهرية في الملف النووي أو أمن الملاحة في الخليج.

إن هيمنة الحرس الثوري على مسار التفاوض مع واشنطن أدت إلى بطء “مؤلم” في الردود الإيرانية، نتيجة تعدد رؤوس صنع القرار وغياب “الكلمة الفصل” التي كان يطلقها خامنئي الأب، هذا التشتت القيادي لا يعني ضعف النظام بقدر ما يعني زيادة “تطرفه”، حيث لم تعد المفاضلة بين نهج معتدل وآخر متشدد، بل باتت بين “نهج متشدد” وآخر “أكثر راديكالية” يتبناه جنرالات الحرب الذين يرون في التصعيد وسيلة وحيدة للبقاء.

القمع الداخلي وتصفية البراجماتيين: فاتورة “الجمهورية العسكرية” الجديدة

داخليًا، تُرجم هذا التحول إلى موجة قمع هي الأشد منذ عقود، فالحرس الثوري الذي نحى الأصوات البراجماتية والمعتدلة جانبًا، يرى في مجتبى خامنئي “حاميًا موثوقًا” لجدول أعماله فقط، ومع انتقال السلطة للأجهزة الأمنية، تلاشت هوامش المناورة السياسية التي كانت موجودة سابقًا، حيث يتم الآن قمع أي تحرك احتجاجي بوصفه “خيانة في زمن الحرب”.

إن “أخطر جرائم النظام الحالي” تتمثل في تحويل الدولة إلى ثكنة عسكرية كبرى، حيث يتم تصفية كل من يعارض توجهات الحرس الثوري تحت ذريعة حماية الثورة.

ويؤكد المحللون، أن انفراد العسكر بالسلطة سيؤدي حتمًا إلى زيادة الانتهاكات الحقوقية وتغييب كامل لمؤسسات الدولة المدنية، مما يجعل الشعب الإيراني يواجه “مطحنة أمنية” لا تعترف بخصوصية المجتمع أو تطلعاته نحو التغيير.

إيران في مفترق طرق: مستقبل “الختم الشرعي” وصراع الأجنحة

يبقى السؤال الأبرز، إلى متى سيستمر مجتبى خامنئي كـ “ختم شرعي” للجنرالات؟ إن إصاباته الجسدية وغيابه عن الظهور العلني يضعفان من شرعيته يومًا بعد يوم، مما قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية بين أجنحة الحرس الثوري ذاتها، وبينما تحاول واشنطن وإسرائيل الضغط اقتصاديًا وعسكريًا، يراهن الجنرالات في طهران على “عامل الوقت” ونفوذهم على مضيق هرمز لابتزاز المجتمع الدولي.

إن تفتت مراكز القرار وغياب “الحاكم الواحد” يجعل من الصعب التوصل إلى اتفاقات طويلة الأمد، حيث تظل أي صفقة رهينة بموافقة قادة الميدان لا القادة السياسيين، وتونس وغيرها من القضايا الإقليمية قد تتأثر بهذا الجنون العسكري الإيراني الذي فقد كوابحه الدينية وأصبح يتحرك وفق غريزة البقاء العسكري الصرف.