ذات صلة

جمع

شحنات الموت.. كيف يبيع البرهان سيادة السودان في سوق المسيرات الإيرانية؟

تتكشف يومًا بعد يوم ملامح الجريمة الكبرى التي يرتكبها...

“بصمة التعذيب”.. كيف يحوّل الحوثيون دماء المختطفين إلى “اعترافات” متلفزة؟

لسنوات طويلة، استحدثت مليشيات الحوثي في اليمن نظامًا قمعيًا...

هدوء حذر في أسواق الطاقة.. النفط يتراجع على وقع رهانات السلام بين واشنطن وطهران

شهدت أسواق النفط العالمية تراجعًا ملحوظًا خلال تعاملات الثلاثاء،...

على حافة القرار.. 5 سيناريوهات “واشنطن بين التهدئة والتصعيد مع اقتراب نهاية هدنة إيران”

مع اقتراب انتهاء الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران،...

انحسار القواعد وتلاشي الحاضنة.. لماذا فشلت استراتيجية “المظلومية” الإخوانية؟

قبل محطة يوليو 2021، شهدت تونس ما وصفته مصادر بـ”العشرية السوداء”، والتي تغلغل خلالها التنظيم في مفاصل الدولة تحت شعار “التمكين”. وقد رصدت التحقيقات القضائية والأمنية لاحقاً جملة من الجرائم الخطيرة التي مست أمن الدولة في الصميم، ومن أبرزها ملف “الاغتيالات السياسية” التي طالت رموزاً وطنية، حيث وُجِّهت اتهامات للتنظيم بالتستر، عبر ما يُعرف بـ”الجهاز السري”، على أدلة تدينه. بالإضافة إلى ملف “تسفير الشباب إلى بؤر التوتر”، وهو الملف الذي استنزف طاقات شبابية تونسية وزجّ بها في صراعات إقليمية دموية، مما مثّل طعنة في خاصرة الأمن القومي. كما شمل السجل جرائم “الفساد المالي” و”التمويل الأجنبي المشبوه” للأحزاب، حيث استُغلت أموال من الخارج لتوجيه إرادة الناخبين وشراء الذمم السياسية.

التآمر على أمن الدولة

عقب قرارات تصحيح المسار في 2021، تكشّفت خيوط مخططات كانت تهدف إلى “تبديل هيئة الدولة” وحمل السكان على مهاجمة بعضهم البعض، وهو ما صُنّف قانونياً كجرائم “تآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي”.

حيث رصدت الأجهزة الأمنية اتصالات مع جهات أجنبية تهدف إلى التحريض ضد مؤسسات السيادة الوطنية وضرب استقرار البلاد. هذه الجرائم لم تكن مجرد أخطاء سياسية، بل كانت محاولات ممنهجة لتقويض أركان الدولة الوطنية لصالح أجندات عابرة للحدود، مما استوجب تحركاً قضائياً حاسماً أدى إلى غلق مقرات التنظيم، وتجميد أنشطته، وحظر اجتماعاته التي كانت تُستخدم كمنصات لنشر التحريض والفوضى.

إجهاض حلم التمكين “ما بعد 2021”

جاءت قرارات عام 2021 لتضع حداً نهائياً لهذا التغلغل، حيث أدت إلى انحسار سريع للأدوات السياسية التي كان يستخدمها التنظيم للضغط والمناورة. ومع تجفيف منابع التمويل وغلق منافذ التأثير الإعلامي، بدأ “تآكل القواعد” التنظيمية بشكل ملحوظ، فالولاء الذي كان يُبنى على المصالح والتمكين المالي انهار فور فقدان التنظيم للسلطة والمال.

ووجد الشباب الذين تم شحنهم لسنوات بوعود “التمكين” أنفسهم أمام واقع قانوني يلاحق كل من تورط في سفك الدماء أو نهب المال العام، مما أدى إلى حالة من التشتت والهروب الجماعي من الهياكل التنظيمية، وفشل محاولات القيادات في الحفاظ على “الرابط الفكري” عبر رسائل مشفرة تدعو إلى الصمود والتمحيص.

سقوط ورقة المظلومية

حاول التنظيم، منذ اللحظات الأولى لقرارات 2021، استخدام سلاحه التقليدي، وهو “خطاب المظلومية”، لاستجداء عطف المجتمع الدولي، إلا أن هذا السلاح سقط أمام قوة الأدلة القضائية ووضوح الجرائم المرتكبة. فالمجتمع التونسي، الذي عانى من “الهرج والقتل والسلب” وتدهور الأوضاع المعيشية خلال فترة حكمهم، لم يعد يتقبل سردية “الاستهداف السياسي”، خاصة مع صدور أحكام قضائية قاسية في قضايا مثل “المسامرة الرمضانية” و”التخابر”، والتي وصلت فيها العقوبات إلى السجن لعشرات السنين.

هذه الأحكام رسّخت قناعة لدى الشارع بأن ما يحدث هو “محاسبة عادلة” وليس “إقصاءً”، مما أدى إلى انحسار أي تعاطف شعبي كان يراهن عليه التنظيم للعودة إلى الشارع.

واقع العزلة والانهيار التنظيمي

يعيش التنظيم اليوم حالة من العزلة الخانقة، حيث فقد القدرة على الحشد أو التأثير في المجرى السياسي العام للدولة، وأصبحت الرسائل المتبادلة بين القيادات في السجون والقواعد في الخارج مجرد “صدى صوت” في فراغ.

فالمصطلحات التي كانت تشعل الحماس، مثل “الجاهزية” و”العهد”، تحولت إلى أدلة إدانة إضافية تعكس استمرار العقلية الصدامية مع الدولة. ومع استمرار المسار القضائي في تفكيك شبكات التمويل الأجنبي وملاحقة المتورطين في ملفات الإرهاب، يبدو أن مشروع الإخوان في تونس قد وصل إلى نهايته التاريخية، تاركاً خلفه درساً قاسياً حول مصير التنظيمات التي تضع مصلحة “التنظيم العالمي” فوق مصلحة “الوطن” والسيادة الوطنية.