يعيش المواطن السوري داخل ما يمكن تسميته باقتصاد “الحواف الحادة”، حيث أصبح السير نحو تأمين لقمة العيش يشبه المشي على نصل سكين، ففي ظل القفزات غير المسبوقة في معدلات التضخم التي ضربت الأسواق السورية خلال الربع الأول من العام الحالي، باتت الهوة بين الرواتب المتدنية وأسعار السلع الأساسية أعمق من أي وقت مضى.
وتشير التحليلات الاقتصادية إلى أن الدخل الحقيقي للموظف السوري قد تآكل بنسبة تزيد عن 85% مقارنة بالسنوات السابقة! مما جعل الراتب الشهري لا يكفي لتغطية احتياجات الأسرة الغذائية لأكثر من ثلاثة أيام في أحسن الأحوال.
إن هذه الحالة من “اللا توازن” لم تعد مجرد أزمة عابرة، بل تحولت إلى واقع هيكلي يفرض على السوريين ابتكار استراتيجيات بقاء قاسية، تعتمد في معظمها على تقليص الوجبات، والاستغناء عن اللحوم والفواكه، والتركيز فقط على الكربوهيدرات لسد الرمق، وسط غياب شبه كامل للدور الرقابي الفعال الذي يمكنه لجم جشع كبار التجار والمحتكرين الذين يستغلون اضطراب سلاسل التوريد لرفع الأسعار بشكل اعتباطي.
تفكيك مسببات الانهيار.. الطاقة والعملة والسياسات النقدية المتعثرة
لا يمكن فهم طفرة الغلاء الحالية بمعزل عن أزمة الطاقة الخانقة التي تضرب البلاد، حيث أدى الارتفاع الكبير في أسعار المشتقات النفطية والكهرباء الصناعية إلى تحميل السلع النهائية كلفاً إضافية باهظة، وبما أن الإنتاج المحلي يعتمد بشكل كلي على المحروقات، فقد انعكس كل ارتفاع في سعر “المازوت” أو “البنزين” فورًا على أسعار الخضروات والمنتجات الغذائية والمنسوجات، وبالتوازي مع ذلك، تعاني الليرة السورية من حالة عدم استقرار مزمنة أمام العملات الأجنبية، مما يجعل التسعير في المحلات التجارية يتم بشكل لحظي تحسبًا لأي تدهور إضافي.
وترى مصادر، أن السياسات النقدية المتبعة، رغم محاولاتها لضبط سعر الصرف، إلا أنها فشلت في توفير السيولة اللازمة لدعم القوة الشرائية للمواطن، مما خلق حالة من “الركود التضخمي”؛ حيث السلع متوفرة على الرفوف بكثرة، لكن الجيوب فارغة من القدرة على شرائها، وهو ما يهدد بإغلاق مئات الورش الصغيرة والمحال التجارية التي لم تعد قادرة على تحمل الخسائر الناتجة عن ضعف الإقبال الشعبي.
الحوالات الخارجية واقتصاد الظل.. شريان الحياة الوحيد المتبقي
في ظل هذا الانسداد الاقتصادي، برزت الحوالات المالية القادمة من السوريين المغتربين كـ “المنقذ الوحيد” لملايين العائلات في الداخل، فبدون هذه المبالغ التي تُقدر بمليارات الدولارات سنويًا، لكانت نسب المجاعة قد وصلت إلى مستويات مرعبة.
ويشير تحليل ميداني إلى أن أكثر من 70% من الأسر السورية تعتمد بشكل أساسي أو جزئي على المساعدات المالية الخارجية لتأمين الحد الأدنى من الغذاء والدواء، وفي الوقت نفسه، انتعش “اقتصاد الظل” والعمل في مهن متعددة في آن واحد؛ حيث يضطر رب الأسرة للعمل في وظيفتين أو ثلاث ليتمكن من مجاراة غلاء المعارضة، ومع ذلك، تظل هذه الحلول “مسكنات مؤقتة” لا تعالج جذر المشكلة المتمثل في انهيار الإنتاج الوطني وارتفاع كلف الاستيراد، إن ارتهان معيشة السوريين لتقلبات الحوالات الخارجية هو مؤشر خطير على ضعف الدولة في توفير الأمن المعيشي لمواطنيها، ويجعل المجتمع عرضة لأي هزات سياسية أو اقتصادية عالمية قد تؤثر على تدفق تلك الأموال من الخارج.
آفاق الحل وتداعيات الاستمرار في نهج “الجراحة دون تخدير”
إن استمرار الوضع المعيشي على ما هو عليه في 2026 ينذر بانفجارات اجتماعية صامتة، تتجلى في زيادة معدلات الجريمة، التسرب المدرسي، والهجرة الجماعية لما تبقى من الكفاءات العلمية والحرفية، إن الحل لا يكمن في زيادات طفيفة على الرواتب يمتصها التضخم قبل صدورها، بل يتطلب “جراحة اقتصادية” شاملة تبدأ من دعم القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية وتخفيض كلف الطاقة بشكل حقيقي للمنتجين، وتفعيل أدوات الرقابة الصارمة على الأسواق لمنع الاحتكار.
كما يتطلب الانفتاح على الاستثمارات الخارجية الحقيقية التي تخلق فرص عمل برواتب مجزية بعيدًا عن كشوف الرواتب الحكومية المتهالكة.
إن سوريا بحاجة اليوم إلى “عقد اقتصادي جديد” يضع معيشة الإنسان فوق كل اعتبار سياسي، لأن استنزاف قدرة المواطن على الصمود قد وصل إلى “الحافة الحادة” التي لم يعد بعدها مكان للتراجع، والمستقبل سيتوقف على مدى جرأة الحكومة في تغيير أدواتها الاقتصادية التقليدية التي أثبتت فشلها في حماية لقمة عيش السوريين.

