وصلت أصداء الحرب المشتعلة في إيران إلى قبة الكونغرس الأمريكي، لتكشف عن انقسام حاد وعميق بين المعسكر الديمقراطي وإدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، في مشهد يعيد للأذهان السجالات الكبرى حول تفويضات الحروب الخارجية.
فقد أعلن ستة من أبرز الأعضاء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ عزمهم الشروع في حملة سياسية وتشريعية مكثفة تهدف إلى إجبار الإدارة على عقد جلسات استماع علنية، بدلاً من الإحاطات السرية المغلقة، لمناقشة تداعيات الحرب مع إيران.
وتتضمن هذه التحركات استدعاء كبار المسؤولين في إدارة ترامب للإدلاء بشهاداتهم تحت القسم أمام الشعب الأمريكي، مع التهديد باتخاذ خطوات تصعيدية قد تصل إلى وقف أعمال مجلس الشيوخ العادية وتعطيل سير العمل الطبيعي فيه، إذا ما استمر الجمهوريون في مقاومة هذه المطالب الشعبية والتشريعية.
وأكد السناتور كوري بوكر من ولاية نيوجيرسي، في تصريحات حازمة للصحفيين، أن كبار الديمقراطيين في لجنتي العلاقات الخارجية والقوات المسلحة قد تقدموا بطلبات رسمية إلى رؤساء اللجان الجمهوريين، جيمس ريش وروجر ويكر، لفتح سجلات الحرب أمام النقاش العام.
وأوضح بوكر، أن الهدف الاستراتيجي من هذا التحرك هو الضغط من أجل إنهاء الحرب مع إيران في أسرع وقت ممكن، وتوفير الحماية اللازمة للقوات الأمريكية التي بدأت بالفعل في تكبد خسائر بشرية ومادية في الميدان.
وبينما يلتزم مساعدو اللجان الجمهورية الصمت حتى الآن، يرى الديمقراطيون أن استمرار الانفراد بالقرار من قبل البيت الأبيض يمثل سابقة خطيرة تتجاوز صلاحيات الرئيس الدستورية وتهمش دور المؤسسة التشريعية في إعلان الحروب.
مطالب بالشفافية العلنية واستدعاء قادة “البنتاغون” والخارجية للشهادة
من جانبه، شدد السناتور كريس مورفي من ولاية كونيتيكت على ضرورة عقد هذه الجلسات خلال الأسبوع المقبل، مؤكدًا أن الحاجة ملحة لسماع شهادات مباشرة من وزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي بالنيابة ماركو روبيو.
ويرى مورفي، أن مبرر السرية الذي تتذرع به الإدارة في جلسات الإحاطة المغلقة لم يعد كافيًا، حيث يحتاج الجمهور الأمريكي إلى سماع إجابات واضحة بشأن المدى الزمني المحتمل لهذه الحرب، والأهداف الاستراتيجية المحددة التي يسعى ترامب لتحقيقها، والمسائل اللوجستية والمالية المرتبطة بها.
إن هذا الإصرار الديمقراطي يأتي في وقت يشعر فيه المشرعون بأنهم استُبعدوا تمامًا من دائرة صنع القرار العسكري، وهو ما وصفه بوكر بأنه “أكبر عملية عسكرية منذ حرب أفغانستان”، مما يستوجب رقابة برلمانية صارمة وشفافة.
ورغم امتلاك الجمهوريين لأغلبية ضئيلة في مجلس الشيوخ بواقع 53 مقعدًا مقابل 47 للديمقراطيين، وهو ما يمنحهم السيطرة على جدول الأعمال والتشريعات المطروحة للمناقشة، إلا أن السناتور كوري بوكر ألمح إلى أن القواعد الإجرائية تمنح أعضاء مجلس الشيوخ الأفراد سلطات واسعة للتعطيل والمناورة.
وأشار بوكر إلى وجود “امتيازات معينة” يمكن ممارستها لعرقلة سير العمل العادي للمجلس، وهو سلاح سياسي قد يلجأ إليه الديمقراطيون لشل حركة السلطة التشريعية كنوع من الاحتجاج على تهميشهم.
ورغم رفض بوكر الإفصاح عن تفاصيل هذه الخطوات في الوقت الحالي، إلا أن رسالته كانت واضحة بأن مجلس الشيوخ لن يستمر في العمل “كالمعتاد” طالما بقيت أسرار الحرب حبيسة الغرف المغلقة وطالما استمر نزيف الدماء الأمريكية في الخارج.
الرفض التشريعي وقانون سلطات الحرب أمام تعنت الإدارة والجمهوريين
في سياق متصل، يواجه الديمقراطيون جبهة صلبة داخل مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون أيضًا، حيث قُوبلت دعواتهم لإجراء مناقشة وتصويت على “قانون سلطات الحرب” بالرفض التام.
ويهدف هذا القانون إلى إلزام الإدارة بالحصول على تفويض صريح من الكونغرس قبل شن هجمات عسكرية واسعة، وهو ما تجاوزه ترامب بتقديم سلسلة من المبررات القانونية والسياسية لشن الحرب من جانب واحد وبشكل مفاجئ.
هذا التعنت الجمهوري في “الكابيتول هيل” زاد من حدة التوتر السياسي، حيث يرى الديمقراطيون أن الحزب الجمهوري قد تحول من مؤسسة رقابية إلى “متفرج” على تجاوزات الرئيس لصلاحيات الكونغرس، سواء في قضايا تمويل الحرب أو في القرارات العسكرية الاستراتيجية التي تمس الأمن القومي بشكل مباشر.
وعلى المستوى الشعبي، أظهرت نتائج استطلاع رأي حديث أجرته “رويترز/إيبسوس” فجوة كبيرة بين توجهات الإدارة ورغبات الشارع الأمريكي، حيث عبر 60% من الأمريكيين عن توقعاتهم بأن التدخل العسكري في إيران سيستمر لفترة طويلة جدًا، مما سينعكس سلبًا على حياتهم اليومية عبر ارتفاع حاد في أسعار البنزين وتكاليف المعيشة.
وكشف الاستطلاع، أن 29% فقط من البالغين يؤيدون هذه الهجمات، وهو ما يعزز موقف الديمقراطيين في المطالبة بوقف الحرب.
وينضم إلى هذا الحراك بجانب بوكر ومورفي، أعضاء بارزون مثل السناتور تامي داكورث، وهي محاربة قديمة في حرب العراق وتدرك تمامًا كلفة الحروب الطويلة، والسناتور آدم شيف، وتامي بالدوين، وتيم كين، مما يعطي زخمًا قويًا لهذه المجموعة التي تسعى لإعادة ضبط ميزان القوى بين البيت الأبيض والكونغرس في ظل واحدة من أخطر الأزمات العسكرية في القرن الحادي والعشرين.

