في ظل تسارع الأحداث الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، برز الدور الفرنسي مجددًا كلاعب محوري يسعى لصياغة مستقبل لبنان في مرحلة ما بعد المواجهات العسكرية الكبرى، حيث تتحدث الأوساط الدبلوماسية في باريس وبيروت عن “خطة سرية” متكاملة تهدف إلى تحويل فرنسا إلى ضامن دولي أساسي لعملية نزع سلاح حزب الله بشكل تدريجي وممنهج.
وتستند هذه الخطة إلى ضرورة العودة الصارمة لتطبيق القرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 1701 والقرار 1559، مع إضفاء طابع “الرعاية الفرنسية” التي تحاول الموازنة بين الضغوط الأمريكية- الإسرائيلية وبين الحاجة اللبنانية الداخلية للاستقرار.
إن التحرك الفرنسي لا يقتصر فقط على الجانب الدبلوماسي، بل يتعداه إلى تقديم حزمة من الضمانات السياسية والأمنية التي تهدف إلى إقناع الأطراف اللبنانية بأن زمن “الازدواجية العسكرية” قد ولى، وأن بناء “لبنان الجديد” يتطلب حصر السلاح في يد مؤسسة الجيش اللبناني حصرًا، وهو الأمر الذي تعتبره باريس شرطًا لا غنى عنه لتدفق الاستثمارات الدولية وبدء عملية الإعمار الشاملة التي ينتظرها اللبنانيون بفارغ الصبر بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي.
مراحل الخمس لإرساء السيادة
تتضمن الخطة التي كشفت عنها تقارير مسربة، وتم تداول ملامحها في الاجتماعات الحكومية ببيروت، جدولاً زمنياً يمتد لثمانية عشر شهرًا، يبدأ بتمكين الجيش اللبناني من السيطرة الكاملة على منطقة جنوب نهر الليطاني بالتعاون مع قوات “اليونيفيل”، ثم الانتقال تدريجيًا نحو المناطق الحساسة في بيروت والضاحية الجنوبية والبقاع، وتعتمد باريس في هذا المسار على استراتيجية “النفس الطويل”، حيث تسعى لتوفير غطاء دولي لعمليات الجيش التي بدأت بالفعل في مطلع عام 2026 عبر مصادرة مخازن الأسلحة غير القانونية وتفكيك الأنفاق والمنشآت العسكرية المتبقية.
كما تهدف المبادرة الفرنسية إلى تحويل مقاتلي الحزب إلى قوة سياسية مدنية بالكامل، مع دمج العناصر الراغبة في الأجهزة الأمنية الرسمية وفقًا للمعايير الوطنية، وهو ما يمثل أكبر تحدٍ أمني وسياسي يواجه الدولة اللبنانية منذ اتفاق الطائف.
إن فرنسا، من خلال وزير خارجيتها جان-نويل بارو، تؤكد في كل لقاءاتها أن “احتكار الدولة للسلاح” هو حجر الزاوية في الرؤية الفرنسية للبنان، وأن باريس مستعدة لتكون هي الجسر الذي يربط بين المطالب الدولية بالنزع الكامل للسلاح وبين الواقع الميداني المعقد الذي يتطلب تدرجًا لتجنب الوقوع في فخ الحرب الأهلية.
دعم الجيش.. الركيزة الفرنسية الصلبة
لا يمكن الحديث عن نزع سلاح حزب الله دون وجود بديل وطني قوي وقادر، ومن هنا تأتي الأهمية القصوى للدعم العسكري الفرنسي والأوروبي السخي للجيش اللبناني في عام 2026، حيث تحرص باريس على تزويد القوات المسلحة اللبنانية بأحدث التقنيات الدفاعية وأجهزة المراقبة الحدودية المتطورة لضمان منع تهريب السلاح عبر الحدود السورية، كما تعمل فرنسا على تنظيم مؤتمرات دولية للمانحين لضمان دفع رواتب العسكريين وتحسين ظروفهم المعيشية، مما يجعل الجيش المؤسسة الأكثر ثقة لدى الشعب والمجتمع الدولي على حد سواء.
إن الرهان الفرنسي على الجيش اللبناني ينبع من قناعة ماكرون بأن تقوية المؤسسات الشرعية هي الوسيلة الوحيدة لإضعاف نفوذ الميليشيات بشكل طبيعي وتلقائي، ومع إعلان الجيش إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح في الجنوب، بدأت باريس في تكثيف ضغوطها على القوى الإقليمية، وخاصة إيران، لرفع يدها عن القرار العسكري اللبناني والسماح لبيروت باتخاذ قرارات سيادية تتناسب مع هويتها العربية وتطلعات شعبها نحو السلام والازدهار بعيدًا عن “مغامرات الإسناد” التي أرهقت كاهل الدولة اللبنانية.
تحديات الضمانات والتعقيد الإقليمي
رغم التفاؤل الذي تبديه الدبلوماسية الفرنسية، إلا أن طريق “لبنان الجديد” لا يزال محفوفاً بالمخاطر، فالمقترح الفرنسي يواجه تصلباً من بعض الأجنحة داخل حزب الله التي ترى في السلاح ضمانة لوجودها السياسي، فضلاً عن التعقيدات المرتبطة بالمفاوضات الإيرانية-الأمريكية التي تلقي بظلالها على الساحة اللبنانية، وهنا تبرز براعة باريس في العمل كـ “ضامن دولي” يحاول تقديم “مخرج مشرف” للجميع، عبر ربط نزع السلاح بترسيم الحدود النهائية البرية وحل مشكلة مزارع شبعا، وهو ما سيجعل ذريعة وجود السلاح تسقط قانونًا ومنطقًا.
إن نجاح فرنسا في هذه المهمة سيعني تحولاً تاريخياً في توازنات القوى بالشرق الأوسط، حيث سيتحول لبنان من “ساحة لتصفية الحسابات” إلى “دولة مستقرة” تملك قرارها السيادي، وتتجه الأنظار الآن إلى الجولات المكوكية للمسؤولين الفرنسيين في بيروت، وعما إذا كانت هذه الخطة ستتحول إلى واقع ملموس ينهي عقودًا من هيمنة السلاح غير الشرعي ويبدأ عهدًا جديدًا تحت مسمى “الجمهورية الثالثة”.
إن المسؤولية تقع الآن على عاتق الطبقة السياسية اللبنانية لالتقاط هذه الفرصة التاريخية، فالدعم الفرنسي المتواصل لن يبقى متاحًا إلى الأبد إذا لم تتوفر الإرادة الداخلية للتحرر من قيود السلاح الميليشياوي والتوجه نحو بناء دولة المواطنة التي تحترم التزاماتها الدولية وتصون كرامة مواطنيها على كامل ترابها الوطني من الناقورة إلى النهر الكبير.

