ذات صلة

جمع

واشنطن تعزز دفاعاتها في الشرق الأوسط بنقل منظومة «ثاد» من كوريا الجنوبية

بدأت الولايات المتحدة نقل أجزاء من منظومة الدفاع الصاروخي...

أملاك في قلب لندن.. تساؤلات حول ثروة المرشد الإيراني الجديد

أثار تقرير نشرته صحيفة ديلي تلغراف البريطانية جدلاً واسعًا...

طهران تغلق باب الحوار.. عراقجي يلوح بالتصعيد العسكري

في تحول يعكس تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة،...

تصريحات ترامب عن المرشد الإيراني الجديد تثير الجدل

اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن تعيين مجتبى خامنئي...

تنسيق أميركي–إسرائيلي في إدارة المواجهة مع إيران‏

‏كشف الرئيس الامريكي دونالد ترامب، أن قرار إنهاء العمليات...

غياب الدولة وتغول المليشيات.. هل تحولت نساء العراق إلى أهداف سهلة للاغتيال؟

تتصدر قضية “السلاح المنفلت” المشهد السياسي والأمني في العراق منذ سنوات، لكن تداعيات هذا الانفلات بدأت تأخذ منحىً أكثر ديموغرافية وخطورة، حيث تحولت الناشطات والحقوقيات إلى أهداف مباشرة لعمليات التصفية الجسدية والترهيب الممنهج.

ففي بلد يعاني من هشاشة المؤسسات الأمنية وتداخل الصلاحيات بين الدولة والجماعات المسلحة، لم تعد الكلمة الحرة مجرد رأي، بل أصبحت مغامرة قد تنتهي بطلقات غادرة في وضح النهار.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بمرارة وسط الشارع العراقي: هل أصبحت الدولة عاجزة حقاً عن حماية بناتها، أم أن هناك غض طرف متعمد يسمح للسلاح المنفلت بأن يكون الحاكم الفعلي على الأرض؟

واقع أمني هش وتراجع لهيبة الدولة

تعيش الناشطات في العراق حالة من الرعب المستمر نتيجة غياب المظلة القانونية التي تحميهن من نفوذ الجماعات المسلحة التي تفرض أجنداتها بالقوة.

إن تراجع دور المؤسسات الضابطة للأمن منح الضوء الأخضر لجهات مجهولة الهوية، معلومة الانتماء في بعض الأحيان، لتنفيذ عمليات اغتيال استهدفت أسماء بارزة في الحراك المدني.

هذا التراجع لا يقتصر فقط على الفشل في منع الجريمة قبل وقوعها، بل يمتد إلى العجز عن محاسبة الجناة بعد ارتكابها، مما خلق بيئة خصبة لانتشار “ثقافة الإفلات من العقاب”.

وعندما تشعر الجماعات المسلحة بأن يد العدالة قصيرة، فإنها لا تتردد في توجيه فوهات بنادقها نحو الحلقة الأضعف في المنظومة الاجتماعية والسياسية، وهي المرأة التي تتجرأ على نقد الفساد أو المطالبة بالحقوق المدنية.

الناشطات كأهداف استراتيجية للتصفية

لم يكن استهداف الناشطات في العراق مجرد حوادث عشوائية، بل تعكس القراءات الأمنية والسياسية أنها عمليات ممنهجة تهدف إلى ضرب رمزية الحراك الشعبي.

إن تصفية شخصيات مثل رهام يعقوب وسعاد العلي وغيرهن، كانت تحمل رسائل سياسية واضحة مفادها أن الفضاء العام ليس مكانًا آمنًا للنساء ذوات التوجهات الليبرالية أو المدنية.

يتم استخدام السلاح المنفلت هنا كأداة للضبط الاجتماعي والسياسي، حيث يسعى الجناة إلى ترهيب بقية الناشطات ودفع المجتمع نحو الانغلاق.

واللافت في هذه العمليات أنها غالبًا ما تسبقها حملات تشويه وتسقيط إلكتروني عبر جيوش إلكترونية منظمة، تمهد الطريق أخلاقياً لعملية الاغتيال الجسدي، مما يجعل الناشطة “هدفًا سهلاً” في نظر الرأي العام قبل أن تقتلها الرصاصات.

دوافع الاستهداف ودور الجماعات المسلحة

تتعدد الدوافع وراء استهداف الناشطات، لكنها تصب جميعها في خانة الحفاظ على الوضع الراهن ومصالح القوى المتنفذة.

الناشطة العراقية، بطبيعتها الرافضة للمحاصصة والفساد، تمثل تهديدًا مباشرًا لمراكز القوى التقليدية التي تعتمد على الولاءات الضيقة والسلاح لحماية مكتسباتها.

إن الجرأة التي أبدتها النساء في ساحات التظاهر، وتصدرهن للمشهد في “انتفاضة تشرين”، كسر الصورة النمطية للمرأة العراقية، وهو ما لم تتقبله القوى التي ترى في التحرر المدني خطراً على نفوذها العقائدي والسياسي.

وبناءً على ذلك، يتم تصوير هؤلاء الناشطات على أنهن “عميلات” أو “مخربات”، وهي التهمة الجاهزة التي تشرعن للسلاح المنفلت التدخل بدموية لإنهاء صوتهن تحت مزاعم حماية الثوابت.

عجز التحقيقات وغياب الشفافية القضائية

رغم الوعود الحكومية المتكررة بالكشف عن قتلة الناشطات، إلا أن النتائج دائمًا ما تصطدم بحائط الصد الذي تبنيه القوى المسلحة داخل مفاصل الدولة.

اللجان التحقيقية التي تُشكل عقب كل حادثة اغتيال غالبًا ما تخرج بتقارير خجولة أو تنتهي بـ “تقييد القضية ضد مجهول”، وهو ما يعزز القناعة بأن السلاح المنفلت أقوى من القانون.

هذا العجز القضائي لا يقتل الضحية مرتين فحسب، بل يرسل إشارة يأس إلى كل امرأة تحاول ممارسة حقها الدستوري في التعبير.

إن غياب الشفافية في عرض الحقائق أمام الرأي العام يعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها المؤسسة القضائية من قبل الأجنحة المسلحة للأحزاب، مما يجعل من فكرة “الدولة” مجرد واجهة بينما السلطة الحقيقية بيد من يمتلك الكلاشينكوف.

تداعيات اجتماعية ونفسية على الحراك النسوي

إن استمرار مسلسل الاغتيالات والتهديدات أدى إلى انكماش ملحوظ في النشاط المدني النسوي بالعراق. لجأت العديد من الناشطات إلى الهجرة القسرية نحو إقليم كردستان أو خارج البلاد بحثًا عن الأمان، بينما فضلت أخريات الصمت والابتعاد عن الأضواء خوفًا على عائلاتهن.

هذا “النفي القسري” للعقول النسوية يؤدي إلى إفراغ المجتمع من طاقات فاعلة قادرة على التغيير. علاوة على ذلك، بدأت العائلات العراقية تضغط على بناتها للابتعاد عن الشأن العام، مما يعيد المرأة إلى المربع الأول من التهميش الاجتماعي.

إن السلاح المنفلت لم ينجح فقط في تصفية الأجساد، بل نجح جزئيًا في اغتيال الحلم ببناء دولة مدنية تكون فيها المواطنة هي المعيار الوحيد للحقوق والواجبات.

المجتمع الدولي ومسؤولية الحماية الغائبة

أمام هذا المشهد القاتم، يبدو الدور الدولي محدودًا ومقتصرًا على بيانات الإدانة والقلق التي تصدر من المنظمات الحقوقية والأممية.

ورغم أن العراق وقع على العديد من المعاهدات الدولية التي تضمن حماية حقوق الإنسان وحقوق المرأة بشكل خاص، إلا أن آليات الضغط على الحكومة العراقية لضبط السلاح المنفلت ما تزال ضعيفة.

يتطلب الأمر تحركًا أكثر جدية يتجاوز الخطابات الدبلوماسية، من خلال ربط التعاون الدولي بمدى التزام الدولة بحماية النشطاء ومحاسبة الجماعات الخارجة عن القانون.

إن ترك الناشطات العراقيات وحيدات في مواجهة السلاح يمثل وصمة عار في جبين المجتمع الدولي الذي ينادي بالمساواة وحقوق الإنسان في المحافل العالمية بينما يتجاهلها في أزقة البصرة وبغداد.