تتقاطع الأزمات السياسية والتحركات العسكرية في لبنان في مشهد يبدو للوهلة الأولى ضبابياً، لكنه يحمل في طياته “رسائل مشفّرة” تعكس صراع الإرادات الإقليمية والدولية على أرض الأرز.
وقالت مصادر إن هذا التحرك اللبناني باتجاه “البنتاغون” و”البيت الأبيض” يأتي في توقيت إقليمي حساس للغاية، يتسم بإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط، ومحاولة الإدارة الأمريكية الجديدة فرض قواعد اشتباك جديدة تهدف إلى تحجيم الأدوار العسكرية للفصائل المسلحة وتعزيز قدرة المؤسسة العسكرية اللبنانية كبديل شرعي وحيد للسيادة الوطنية، وهو ما يجعل المشهد اللبناني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بين التهدئة الاستراتيجية أو الانزلاق نحو مواجهة شاملة غير محسوبة النتائج.
وترى المصادر أن واشنطن تنظر إلى قائد الجيش كشريك استراتيجي موثوق، ليس فقط في مكافحة الإرهاب، بل في كونه “صمام أمان” يمنع تحول لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية الكبرى، وهو ما يفسر حفاوة الاستقبال وحجم اللقاءات مع كبار مسؤولي الأمن القومي الأمريكي في هذا التوقيت الاستثنائي.
إن استمرار هذه الاستفزازات يضعف من هيبة الدولة اللبنانية ويهدد بتقويض مهمة القوات الدولية، مما يعزز وجهة النظر القائلة بأن التهدئة في الجنوب اللبناني لا تزال “هشة” وقابلة للانهيار أمام أي تصعيد عسكري واسع النطاق قد ينطلق من الجليل أو الضاحية الجنوبية.
لبنان في ميزان الحسابات الإقليمية
لا يمكن قراءة التحركات اللبنانية بمعزل عن الصراع الأكبر في المنطقة، حيث يلعب لبنان دور “الترمومتر” الذي يقيس درجة حرارة التوترات بين واشنطن وطهران.
إن الرسائل المشفّرة التي تحملها الزيارات الدبلوماسية والعسكرية من وإلى بيروت تشير إلى أن هناك مساعي حثيثة لـ”تحييد” الساحة اللبنانية عن الصراع المباشر، مع استمرار ممارسة أقصى درجات الضغط على القوى الحليفة لإيران داخل لبنان.
وتدرك الحكومة اللبنانية، رغم ضعفها وتشرذمها، أن التنسيق مع واشنطن هو الممر الإلزامي للحصول على المساعدات المالية من صندوق النقد الدولي، وهو الضمانة الوحيدة لمنع فرض عقوبات اقتصادية جديدة قد تقضي على ما تبقى من رمق في عروق الدولة.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في كيفية إيجاد “توازن وطني” يرضي المطالب الدولية بنزع السلاح غير الشرعي، دون الدخول في حرب أهلية أو مواجهة داخلية قد تحرق الأخضر واليابس وتدمر المؤسسات التي يسعى الجيش للحفاظ عليها بكل ما أوتي من قوة.
آفاق المستقبل
بالنظر إلى المستقبل، يبدو أن عام 2026 سيكون عام “الحسم البارد” في لبنان؛ فإما أن تنجح التحركات العسكرية والسياسية الحالية في تثبيت وقف إطلاق نار طويل الأمد مدعوم بانتشار كثيف للجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، وإما أن تظل البلاد في حالة “اللا حرب واللا سلم” التي تستنزف البشر والحجر.
وفي نهاية المطاف، يبقى الإنسان اللبناني، وخصوصاً في الجنوب، هو الضحية الأولى لهذا الصراع، بانتظار حلول سياسية شاملة تبدأ بانتخاب رئيس للجمهورية وتنهي حالة “التيه السياسي” التي يعيشها لبنان منذ سنوات، ليعود وطناً سيداً حراً مستقلاً بعيداً عن كونه ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية التي لا تنتهي.

