ذات صلة

جمع

توقيت حساس ورسائل مشفّرة.. ما وراء التحركات العسكرية والسياسية في لبنان؟

تتقاطع الأزمات السياسية والتحركات العسكرية في لبنان في مشهد...

تعز على صفيح ساخن.. اتهامات بتصفيات داخلية تهز صفوف إخوان اليمن

تعيش مدينة تعز اليمنية على وقع موجة جدل واسعة...

رهان الوجوه القديمة.. كيف يحاول إخوان المغرب الهروب من مأزق 2026

تتكشف ملامح أزمة عميقة داخل حزب العدالة والتنمية المغربي،...

إعادة تسمية للهروب من العزلة.. الإخوان يبحثون عن مخرج من الطوق الدولي

كشفت تصريحات جديدة صادرة من إسطنبول عن حجم المأزق...

مدن الأشباح.. كيف فقد البرهان “الحاضنة الوطنية” بسبب سياسة القصف العشوائي للمناطق السكنية؟

دخلت الأزمة السودانية منعطفاً هو الأكثر خطورة في تاريخ البلاد الحديث، حيث تحولت المدن الحيوية التي كانت تضج بالحياة إلى “مدن أشباح” يسكنها الركام ويخيم عليها شبح الموت بسبب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة.


وقالت مصادر إن البرهان فقد بشكل متسارع ما تبقى له من “حاضنة وطنية” وقاعدة دعم شعبي، وذلك نتيجة مباشرة لاعتماد استراتيجية القصف الجوي والمدفعي العشوائي الذي طال المناطق السكنية المكتظة بالمدنيين.


وأكدت المصادر أن هذه السياسة أدت، في حقيقة الأمر، إلى تدمير البنية التحتية وتهجير الملايين قسرياً، مما خلق فجوة عميقة من عدم الثقة بين المواطن السوداني والقيادة العسكرية التي كان من المفترض أن تكون الدرع الحامي له ولأمنه القومي.


سياسة الأرض المحروقة وتآكل الثقة بين الشعب والجيش السوداني


لقد اعتمدت القيادة العسكرية في السودان، تحت إشراف البرهان، على كثافة النيران الجوية وسيلةً أساسيةً للحسم العسكري في المناطق الحضرية، إلا أن النتائج على الأرض كانت مغايرة تماماً للتوقعات السياسية والعسكرية.


وأوضحت المصادر أن فقدان “الحاضنة الوطنية” لا يأتي فقط من المعارضة السياسية، بل من صرخات الأمهات، وفقدان الأبناء، وضياع مدخرات العمر تحت الأنقاض، وهو ما دفع قطاعات واسعة من السودانيين إلى إعادة النظر في شرعية السلطة التي تستخدم القوة المفرطة وسيلةً وحيدةً للتعامل مع أزمات داخلية معقدة، مما يضع مستقبل البرهان السياسي على المحك أمام التاريخ والشعب.


موجات النزوح الكبرى.. السودان يتصدر قائمة الكوارث الإنسانية عالمياً


نتيجةً للقصف المستمر وتدهور الوضع الأمني، شهد السودان في مطلع عام 2026 أكبر موجة نزوح داخلي وخارجي في العالم، حيث تشير التقارير الأممية إلى أن أعداد الفارين من جحيم الحرب تجاوزت أرقاماً قياسية لم يسبق لها مثيل.


لم يرحل هؤلاء المواطنون بحثاً عن الرفاهية، بل فروا بجلودهم من وطأة الغارات الجوية التي لم تترك مكاناً آمناً. هذا النزوح المليوني أدى إلى إفراغ المدن من كوادرها البشرية، من أطباء ومهندسين وعمال، مما عجّل بانهيار الخدمات الأساسية وتوقف عجلة الاقتصاد تماماً. إن تحول المدن إلى مناطق خالية من سكانها لا يضعف الخصم العسكري فحسب، بل يقتل الدولة ذاتها، حيث أصبحت الولايات المستضيفة للنازحين تعاني هي الأخرى من ضغط هائل على مواردها المحدودة، مما يهدد بانفجار أزمات اجتماعية وصراعات محلية جديدة.


إن استراتيجية البرهان التي تسببت في هذا التشريد الجماعي قد نجحت في إبعاد الناس عن مناطق القتال، ولكنها فشلت في الحفاظ على جوهر الوطن، وهو الإنسان، مما يجعل الحديث عن “النصر العسكري” حديثاً أجوف فوق ركام مدن خاوية من أهلها.
الانهيار الإنساني والمجاعة.. الوجه الآخر للحرب في عهد البرهان


بالتوازي مع القصف العشوائي، يواجه السودان اليوم كارثة إنسانية تتمثل في المجاعة الوشيكة وانهيار المنظومة الصحية، وهي تداعيات مباشرة لاستمرار العمليات العسكرية دون مراعاة للممرات الإنسانية أو تأمين مصادر الغذاء.


لقد أدى تدمير الجيش السوداني للمساحات الزراعية وتعطيل سلاسل الإمداد إلى نقص حاد في الاحتياجات الأساسية، مما جعل الملايين يواجهون الموت جوعاً أو بسبب الأمراض الفتاكة.


وفي ظل هذا الوضع، تبدو القيادة العسكرية برئاسة البرهان عاجزةً عن تقديم حلول حقيقية لرفع المعاناة عن كاهل المدنيين، بل إن التركيز المستمر على “الحسم العسكري” أدى إلى تجاهل التحذيرات الدولية المتكررة من مغبة وقوع كارثة بشرية شاملة.


إن فقدان الحاضنة الوطنية يزداد عمقاً عندما يشعر المواطن أن قيادته تعطي الأولوية للبقاء في السلطة على حساب توفير رغيف الخبز أو حبة الدواء، وهو ما يعزز من حالة العزلة الدولية التي تعاني منها السلطة القائمة، ويزيد من حدة السخط الشعبي الداخلي الذي قد ينفجر في أي لحظة في وجه الجميع.


إن السودان يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى قيادة تدرك أن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية، بل هو كرامة إنسانية وحق في الحياة والعيش بسلام، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل استمرار النهج الحالي للبرهان الذي يمزق ما تبقى من نسيج الوطن الجريح.