تشهد كواليس الإدارة العسكرية والسياسية في السودان، وتحديدًا في مقر الحكومة المؤقتة بمدينة بورسودان، حالة من الارتباك والتوتر غير المسبوق، عقب تواتر الأنباء عن اتخاذ قرارات سرية تقضي بتقليص نفوذ حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، وقطع خطوط الإمداد اللوجستي والعسكري عن القوات التابعة له.
وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس للغاية من عمر الصراع السوداني، حيث يعاني التحالف القائم بين الجيش السوداني وحركات الكفاح المسلح من تصدعات بنيوية عميقة ناتجة عن تضارب المصالح الميدانية وغياب الرؤية السياسية الموحدة.
إن عملية عزل مناوي فعليًا، وإن لم تعلن بشكل بروتوكولي كامل حتى الآن، تعكس رغبة الجناح المتشدد داخل قيادة الجيش في الانفراد بالقرار العسكري والسياسي، والتخلص من الأعباء المالية والالتزامات السياسية التي فرضها “اتفاق جوبا للسلام”، وهو ما يضع السودان أمام منزلق جديد من الصراعات الداخلية التي قد تنتقل من جبهات القتال مع قوات الدعم السريع إلى داخل البيت الواحد المحسوب على شرعية القوات المسلحة.
قطع الإمدادات عن مناوي
تشير المعطيات الميدانية إلى أن قيادة الجيش في بورسودان بدأت فعليًا في تنفيذ سياسة “الخنق اللوجستي” ضد قوات مني أركو مناوي، من خلال عرقلة وصول شحنات السلاح والذخيرة والوقود، وتأخير صرف الميزانيات المخصصة للقوة المشتركة في دارفور.
عدم استقرار الإدارة وتضارب التوجهات السرية داخل مجلس السيادة
يعاني الهيكل الإداري والسياسي في السودان من حالة حادة من عدم الاستقرار، حيث تسود الانشقاقات الصامتة والعلنية أروقة مجلس السيادة والوزارات المكلفة.
ويتجلى هذا التضارب في التوجهات الدبلوماسية والعسكرية؛ فبينما يميل تيار داخل الجيش إلى التصعيد العسكري الشامل ورفض المفاوضات، يبرز تيار آخر يرى ضرورة تقديم تنازلات لتجنب الانهيار الاقتصادي الكامل.
هذا التضارب السري أدى إلى صدور قرارات متناقضة وإقالات متتالية لمسؤولين كبار، ما أفقد الإدارة السودانية قدرتها على المناورة أو كسب ثقة المجتمع الدولي.
إن غياب التوافق البنيوي داخل معسكر البرهان لم يعد سراً، بل بات ينعكس في التصريحات المتضاربة للقادة العسكريين، وفي الفشل الذريع في إدارة الملفات الخدمية في الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش، ما يعزز الانطباع بأن الحكومة في بورسودان تعيش حالة من “تصارع الأجنحة” التي قد تنفجر في أي لحظة لتتحول إلى مواجهة مباشرة بين مراكز القوى المختلفة داخل النظام.
جرائم البرهان والمسؤولية عن استطالة أمد الحرب والانتهاكات
تتصاعد الأصوات الحقوقية والدولية التي تحمل الفريق أول عبد الفتاح البرهان المسؤولية المباشرة عن سلسلة من الجرائم والانتهاكات التي طالت المدنيين في السودان، بدءًا من الفشل في حمايتهم خلال الاجتياحات العسكرية، وصولاً إلى عمليات القصف الجوي العشوائي التي استهدفت مناطق سكنية وأسواقًا شعبية تحت ذريعة استهداف تجمعات الدعم السريع.
وبحسب تقارير دولية، فإن سياسات البرهان العسكرية تسببت في تفاقم الأزمة الإنسانية والمجاعة، من خلال عرقلة وصول المساعدات الدولية واستخدام الغذاء كلاح حرب ضد المناطق غير الخاضعة لسيطرته، وبالإضافة إلى ذلك، تُتهم قيادة الجيش بالتواطؤ في قمع الناشطين والمتطوعين في غرف الطوارئ، وتسهيل عودة عناصر النظام البائد (الإسلاميين) إلى مفاصل الدولة والأجهزة الأمنية، مما عمق الانقسام المجتمعي وحول الحرب من صراع على السلطة إلى حرب شاملة تهدد النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية للسودان، وهو ما يضع البرهان تحت مجهر الجنايات الدولية والمحاسبة التاريخية.
السودان بين فكي الانقسام الداخلي والانهيار العسكري
يمثل عزل مني أركو مناوي وقطع الإمدادات عنه حلقة جديدة في مسلسل الفشل الإداري والسياسي الذي يطبع أداء قيادة البرهان منذ اندلاع الحرب وإن الاعتماد على سياسة “فرق تسد” داخل التحالفات العسكرية، وتجاهل حقوق المكونات السياسية والمدنية، أدى إلى خلق بيئة من الانشقاقات والتوجهات المتضاربة التي تخدم القوى المعادية لاستقرار السودان.

