ذات صلة

جمع

جرائم الإخوان والتحركات الأوروبية.. كيف يهيمن الإخوان على مفاصل القرار السياسي داخل مجلس السيادة؟

تصاعدت في الآونة الأخيرة حدة التحذيرات الدولية والتحركات الأوروبية...

فاتورة السلام.. هل يتحمل الاقتصاد اللبناني غياب حلول جذرية لأزمة الجنوب؟

يواجه لبنان في المرحلة الراهنة تقاطعًا خطيرًا بين التحديات...

القرار الصعب.. هل دخل العراق نفق المواجهة المباشرة بين الإطار والتيار؟

يواجه المشهد السياسي العراقي واحدة من أخطر المنعطفات التاريخية...

تصدع جبهة البرهان.. كواليس الخلافات التي أدت لعزل مناوي وتجريده من صلاحياته

يشهد المشهد السياسي والعسكري في السودان تطورات درامية متسارعة...

صراع مراكز القوى.. كيف يضحي البرهان بحلفائه لإرضاء التيار الإخواني المتشدد بالجيش؟

تتصاعد حدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة مجلس السيادة السوداني...

القرار الصعب.. هل دخل العراق نفق المواجهة المباشرة بين الإطار والتيار؟

يواجه المشهد السياسي العراقي واحدة من أخطر المنعطفات التاريخية التي قد تعيد صياغة موازين القوى في البلاد لسنوات طويلة، وذلك عقب إعلان الإطار التنسيقي بشكل رسمي ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، لمنصب رئيس الوزراء.

هذا القرار الذي وصفه مصادر بـ “القرار الصعب”، لم يكن مجرد إجراء روتيني داخل الكتلة الشيعية الأكبر، بل جاء بمثابة “قنبلة سياسية” أعادت فتح ملفات الخلاف العميقة بين قطبي السياسة الشيعية، الإطار التنسيقي من جهة، والتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من جهة أخرى.

ومع صدور هذا الترشيح، بات السؤال الأكثر إلحاحًا في الشارع العراقي والأوساط الدولية هو هل دخل العراق فعليًا نفق المواجهة المباشرة والنهائية بين الخصمين اللدودين؟ وهل يمتلك المالكي القدرة على عبور حقول الألغام السياسية والاجتماعية التي تنتظره في طريق العودة إلى القصر الحكومي؟

العودة من “الباب العريض”

يرى قادة الإطار التنسيقي، أن ترشيح نوري المالكي في هذا التوقيت يمثل ضرورة لضبط إيقاع الدولة التي تعاني من ترهل في مؤسساتها وتحديات أمنية واقتصادية جسيمة.
فبالنسبة لمؤيديه، يمثل المالكي “الرجل القوي” القادر على فرض هيبة القانون وإعادة بناء المركزية في القرار السياسي، وهي السمات التي يفتقدها المشهد العراقي منذ رحيله عن السلطة في عام 2014.

إن رهان الإطار على المالكي يعكس رغبة واضحة في إنهاء حالة “السيولة السياسية” والتوجه نحو حكومة قوية تمتلك ظهيرًا برلمانيًا صلبًا.

ومع ذلك، فإن هذا الرهان يصطدم بحقيقة أن المالكي يمثل للطرف الآخر، وتحديدًا التيار الصدري وجزء واسع من حراك تشرين، رمزًا لحقبة شهدت انقسامات حادة وأزمات أمنية كبرى، مما يجعل من ترشيحه خطوة استفزازية قد تؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا لما يطمح إليه الإطار التنسيقي من استقرار.

التيار الصدري وخطوط الصدر الحمراء

على الجانب الآخر، يمثل ترشيح نوري المالكي الخط الأحمر الأكبر لدى التيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر. فالعلاقة بين الرجلين اتسمت لعقود بالعداء الشخصي والسياسي، بدأت منذ عمليات “صولة الفرسان” عام 2008 ولم تنتهِ بالتسريبات الصوتية الشهيرة التي أثارت ضجة واسعة قبل سنوات.

الصدر، الذي انسحب نوابه من البرلمان في وقت سابق احتجاجًا على المحاصصة، يراقب المشهد بدقة، ويرى مؤيدوه أن عودة المالكي تعني إقصاءً كاملاً لمشروع الصدر الإصلاحي وعودة لمنظومة الحكم التي خرج الشارع ضدها.

إن صمت الصدر الحالي قد يكون “هدوءًا ما قبل العاصفة”، حيث تشير التوقعات إلى أن التيار قد يلجأ إلى تحريك الشارع عبر تظاهرات مليونية واعتصامات قد تشل الحركة في المنطقة الخضراء، مما يضع البلاد أمام مواجهة مباشرة قد تخرج عن إطار السيطرة السياسية لتتحول إلى احتكاك ميداني يهدد السلم الأهلي.

المواجهة المباشرة

يدخل العراق اليوم في صراع حول “الشرعية”؛ فالإطار التنسيقي يتمسك بالشرعية البرلمانية التي تمنحه الحق في ترشيح من يراه مناسبًا باعتباره الكتلة الأكبر، بينما يلوح التيار الصدري بشرعية الشارع والقاعدة الجماهيرية العريضة التي ترفض تدوير الوجوه السابقة.

هذا الانقسام يضع القوى الأمنية أمام اختبار صعب، كما يضع القوى السياسية السنية والكردية في حرج كبير، إذ سيكون عليهم الاختيار بين دعم مرشح الإطار والمخاطرة بإغضاب الصدر والشارع، أو الوقوف على الحياد مما قد يعطل تشكيل الحكومة لأشهر إضافية.

إن سيناريو “نفق المواجهة” يبدو مرجحًا في حال إصرار الإطار على المضي قدماً في جلسة التصويت على منح الثقة للمالكي دون تفاهمات مسبقة مع الحنانة “مقر إقامة الصدر”، وهو ما قد يؤدي إلى سيناريو مشابه لما حدث في اقتحام البرلمان عام 2022، ولكن هذه المرة بحدة وتصميم أكبر من جانب الصدريين.

تحديات الولاية الثالثة

في حال نجح المالكي في تجاوز عقبة الصدر والوصول إلى رئاسة الوزراء، فإنه سيواجه واقعًا عراقيًا مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي تركه قبل عقد من الزمان.

إن العراق اليوم يواجه أزمات مياه خانقة، وتحديات مناخية، واقتصادًا يعتمد كليًا على النفط في ظل تقلبات السوق العالمية، فضلاً عن جيل شبابي جديد لا ينتمي للولاءات الحزبية التقليدية ويطالب بوظائف وخدمات وحريات وإن السؤال الجوهري هو هل يمتلك المالكي رؤية اقتصادية واجتماعية تتناسب مع عام 2026؟ أم أنه سيكتفي بإدارة الصراعات السياسية وتثبيت أركان “دولة المكونات”؟

إن نجاح المالكي في ولاية ثالثة مرهون بقدرته على تقديم تنازلات تاريخية لخصومه وإشراكهم في القرار، وهو أمر يبدو صعبًا بالنظر إلى تاريخ الرجل السياسي وميوله نحو الانفراد بالقرار، مما يجعل من احتمالية تعثر حكومته من الداخل قائمة وبقوة.

العراق بين مطرقة الاستحقاق الدستوري وسندان الانفجار الشعبي

يمكن القول: إن ترشيح نوري المالكي هو “المقامرة الأكبر” للإطار التنسيقي في تاريخه السياسي فبينما يرى الإطار في المالكي منقذًا للدولة، يراه خصومه نذيرًا بعودة الأزمات.

وإن العراق اليوم يقف على حافة نفق مظلم، والخروج منه يتطلب أكثر من مجرد توافقات داخل الغرف المغلقة؛ إنه يتطلب عقدًا اجتماعيًا جديدًا يضمن عدم إقصاء أي طرف فاعل وإن المواجهة بين الإطار والتيار لم تعد مجرد خلاف على منصب، بل أصبحت صراعًا على هوية الدولة وطبيعة النظام السياسي القادم وإذا لم تتدخل لغة العقل والوساطات الإقليمية والدولية لنزع فتيل هذه الأزمة، فإن العراق قد يجد نفسه أمام صيف ساخن سياسيًا وميدانيًا، حيث تصبح صناديق الاقتراع بلا قيمة أمام زخم الشارع، وتتحول العملية الديمقراطية إلى ضحية لصراع الإرادات بين القطبين الأكبر في البلاد.