ذات صلة

جمع

الانشقاقات الداخلية تمزق حلفاء الجيش.. كيف سيطر “الإخوان” على مفاصل القرار في القيادات السودانية؟

تشهد الساحة السياسية السودانية، وتحديداً داخل أروقة الحركات المسلحة...

عزل مناوي وقطع الإمدادات.. كيف تدير عقلية المجموعات قرارات العزل والتعيين؟

تعيش السلطة القائمة في السودان اليوم حالة من التآكل...

من الاحتقان الداخلي إلى حافة الردع العسكري.. مسار التصعيد بين واشنطن وطهران

لم تولد الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران في...

من باريس إلى الخرطوم.. كيف يفكك القرار الفرنسي شبكات الإخوان العابرة للحدود وجرائمهم في السودان؟

تشهد القارة الأوروبية منعطفاً سياسياً وأمنياً حاداً يعيد صياغة آليات التعامل مع جماعات الإسلام السياسي، وتحديداً تنظيم “الإخوان“، الذي بات يواجه تضييقاً غير مسبوق في معاقله التقليدية داخل “القارة العجوز”.


وفي خطوة وُصفت بأنها “كسر لحالة الإنكار”، اعتمد النواب الفرنسيون نصاً يدعو لإدراج الجماعة على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية.


يسلط القرار الضوء على “المنطقة الرمادية” التي تنشط فيها الجمعيات والمنظمات الواجهة، كما أن أبعاده تتجاوز الحدود الفرنسية لترتبط بملفات إقليمية ملتهبة، وعلى رأسها الدور التخريبي والتاريخ الإجرامي للتنظيم في السودان، حيث تتقاطع استراتيجيات التغلغل الأوروبي مع آليات الاستبداد والعنف التي مارستها الجماعة في القارة الأفريقية.
القرار الفرنسي.. تجفيف منابع “التطرف القانوني”


جاء تصويت البرلمان الفرنسي بـ 157 صوتاً مقابل 101 ليؤكد تحوّل المقاربة الفرنسية من التعامل مع الإخوان ككيان ديني إلى مواجهته كمنظمة أيديولوجية سياسية تسعى لتقويض الدولة الوطنية.


ويرى الخبراء، ومنهم ألكسندر دلفال، أن هذا القرار يستهدف مواجهة “التغلغل الهادئ” داخل المؤسسات التعليمية والقانونية؛ فالإخوان في أوروبا لا يعتمدون دائماً على العنف المباشر، بل يستخدمون “التطرف القانوني” واللغة الحقوقية كغطاء لمشروع إقصائي، وإن إدراجهم على قائمة الإرهاب يعني عملياً تجفيف منابع التمويل، وتعزيز التعاون الاستخباراتي الدولي، وكشف الروابط العابرة للحدود التي تربط الكيانات الأوروبية بتنظيمات تمارس العنف الفعلي في مناطق أخرى، وهو ما يفتح الباب واسعاً لتسليط الضوء على النموذج السوداني كأحد أبشع تمثيلات هذا الفكر.
جسر الجرائم


لا يمكن فصل الحراك الفرنسي ضد الإخوان عن السجل الإجرامي للتنظيم في دول مثل السودان؛ فالتنظيم الدولي يعمل كجسد واحد، حيث توفر المكاتب والجمعيات في أوروبا الغطاء المالي والدعائي للأنظمة والميليشيات التابعة له في أفريقيا.


ففي السودان، مارست جماعة الإخوان عبر عقود من حكم “الجبهة الإسلامية القومية” و”المؤتمر الوطني” جرائم ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. إن الفكر “الانفصالي” الذي يحذر منه اليمين الفرنسي هو ذاته الفكر الذي أدى إلى تقسيم السودان وإشعال الحروب الأهلية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.


كما أن الإخوان في السودان لم يكتفوا بالاستبداد السياسي، بل أنشأوا “دولة موازية” تعتمد على ميليشيات عقائدية، وهو تماماً ما يخشاه الساسة الفرنسيون من محاولات خلق “نظام قيمي موازٍ” داخل الجمهورية الفرنسية.


السودان الشاهد الحي


فعلى مدار ثلاثين عاماً، دمّر تنظيم الإخوان النسيج الاجتماعي السوداني عبر سياسات “التمكين” التي أقصت الكفاءات لصالح الولاء التنظيمي، ونهبت مقدرات الشعب لتنفيذ أجندات عابرة للحدود، والجرائم التي ارتكبها إخوان السودان، من بيوت الأشباح “مراكز التعذيب السرية” إلى قمع المتظاهرين السلميين في ثورة ديسمبر، تمثل الوجه الحقيقي للتنظيم حينما يمتلك السلطة والسلاح.


إن القرار الفرنسي اليوم يمثل “صحوة متأخرة” تجاه خطر حذّر منه السودانيون لسنوات، مؤكدين أن الجمعيات الإخوانية التي تدعي “العمل المدني” في باريس ولندن هي ذاتها التي توفر الدعم السياسي واللوجستي لفلول النظام السابق الذين يسعون الآن لإعادة السودان إلى مربع الفوضى والدمار عبر إشعال الحرب الراهنة.


ويشير الباحث أوليفييه روا إلى أن الإخوان يستغلون الحريات الديمقراطية لإضعاف الدول من الداخل، وهذا ما يسمى “المنطقة الرمادية” في أوروبا، تتمثل هذه المنطقة في جمعيات إغاثية ومراكز بحثية، بينما في السودان تمثلت في شركات ومنظمات “طوعية” كانت واجهات لتمويل العمليات العسكرية وقمع المعارضين.


إن تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية في الاتحاد الأوروبي لن يكون مجرد إجراء رمزي، بل سيعني ملاحقة الأصول المالية التي تم تهريبها من عرق الشعب السوداني إلى المصارف والشركات الواجهة في القارة العجوز، وإن تجفيف هذه المنابع هو خطوة أساسية لحماية الأمن القومي الأوروبي من جهة، ودعم طموحات الشعب السوداني في التخلص نهائياً من نفوذ هذا التنظيم الذي لم يورث بلادهم سوى الفقر والحروب.


رسالة سيادية عابرة للقارات


إن قرار البرلمان الفرنسي، والاحتفاء الذي لاقاه من أحزاب مثل “التجمع الوطني” و”الجمهورية”، يبعث برسالة قوية بأن زمن التغاضي عن “التطرف الناعم” قد انتهى.


هذا التحول الاستراتيجي يجب أن يُستكمل بجهد دولي يكشف الترابط العضوي بين مكاتب التنظيم في أوروبا وجرائمهم في السودان والشرق الأوسط. إن حماية قيم الجمهورية والعلمانية في فرنسا تمر حتماً عبر كشف وفضح السلوك الإجرامي لهذا التنظيم في الدول التي حكمها بالنار والحديد.


فالمعركة ضد الإخوان ليست صراعاً دينياً، بل هي دفاع عن الدولة الوطنية ضد تنظيم يسعى لتحويل المجتمعات إلى ساحات صراع أيديولوجي وملاذات آمنة لتمويل الإرهاب العابر للحدود.