عاد ملف الحدود العراقية السورية ليتصدر واجهة الاهتمامات الأمنية في الشرق الأوسط، وسط حالة من الاستنفار القصوى التي أعلنتها بغداد على طول الشريط الحدودي الممتد لأكثر من 600 كيلومتر.
وقالت مصادر: إن التطورات المتسارعة في مناطق شمال شرق سوريا، وتحديدًا في محافظتي الحسكة ودير الزور، لم تعد شأنًا سوريًا داخليًا، بل تحولت إلى “كابوس أمني” يؤرق مضاجع القادة العسكريين في العراق.
وترى مصادر، أن هشاشة الوضع في شرق الفرات، وتصاعد وتيرة الصراع بين القوى المحلية والإقليمية، يهددان بتصدير الفوضى نحو المحافظات الغربية العراقية.
هذا القلق العراقي ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تراكمات معقدة تشمل ملف سجون تنظيم “داعش”، ومخيمات النازحين التي تحولت إلى “أكاديميات للتطرف”، فضلاً عن التداخل الجغرافي والعشائري الذي يجعل من أي اهتزاز أمني في سوريا ارتدادًا مباشرًا في العمق العراقي.
مخيم الهول وسجون “قسد”
تعتبر السجون والمخيمات التي تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية” “قسد” في شمال شرق سوريا، وفي مقدمتها مخيم “الهول” وسجن “غويران”، أكبر هواجس الدولة العراقية في عام 2026.
هذه المواقع التي تضم آلاف المقاتلين المتطرفين وعائلاتهم من جنسيات مختلفة، توصف بأنها “قنابل موقوتة” قد تنفجر في أي لحظة نتيجة أي خلل أمني أو تصعيد عسكري تركي أو صراع فصائلي. وتخشى بغداد من سيناريو “الهروب الكبير”، حيث قد يؤدي انهيار المنظومة الأمنية في تلك السجون إلى تدفق مئات الانتحاريين والقياديين نحو الأراضي العراقية عبر المسالك الصحراوية الوعرة.
إن بقاء هذه الملفات دون حل جذري يجعل الحدود العراقية في حالة “تأهب دائم”، ويحول دون الانتقال من مرحلة العمليات العسكرية إلى مرحلة الاستقرار الشامل في مناطق الأنبار ونينوى.
استراتيجية “الخندق والسد”
أمام هذا التهديد الوجودي، شرعت الحكومة العراقية في تنفيذ واحدة من أضخم الخطط الهندسية والأمنية لحماية حدودها مع سوريا.
وتتضمن هذه الاستراتيجية حفر خنادق عميقة، وبناء سواتر ترابية وكونكريتية مدعومة بأسلاك شائكة وكاميرات حرارية متطورة تغطي كافة الثغرات التي كان يستخدمها المهربون والمتسللون.
وفي عام 2026، تم تعزيز هذه المنظومة بطائرات مسيرة للمراقبة الدائمة ونشر ألوية إضافية من قوات الحدود والحشد الشعبي والجيش في “الخطوط الصفرية”.
إن الهدف من هذا “الاستنفار الإنشائي” هو خلق منطقة عازلة تقنية تمنع التسلل وتحد من عمليات تهريب السلاح والمخدرات، والتي باتت تشكل موردًا ماليًا للجماعات المسلحة على طرفي الحدود، مما يعزز من قدرتها على المناورة وإطالة أمد الصراع.
مستقبل الحدود في ظل “مجلس السلام”
مع بروز مبادرات دولية مثل “مجلس السلام” الجديد مطلع 2026، يحدو العراق الأمل في أن تؤدي التفاهمات الكبرى بين القوى العظمى إلى إيجاد حل نهائي لمعضلة شرق سوريا.

