باتت قضية جزيرة جرينلاند في قلب جدل دولي واسع، بعد أن أظهرت التطورات الأخيرة ما يبدو اتفاقًا أوليًا بين الولايات المتحدة ودول أوروبية حول مستقبل هذا الإقليم الاستراتيجي، وسط توترات دبلوماسية تتعلق بسيادته وأهميته الأمنية.
جاء هذا التحرك في أعقاب تصريحات للرئيس الأمريكي تشير إلى سعي واشنطن لإقامة إطار تعاون طويل الأمد بشأن غرينلاند، وهو ما يُنظر إليه من جانب البعض كجهد لتوسيع النفوذ الأميركي في المنطقة القطبية الشمالية، التي تمتاز بأهمية استراتيجية وعسكرية كبيرة. وتشمل هذه المنطقة موارد معدنية ضخمة، وممرات بحرية تتبلور أهميتها مع ذوبان الجليد، مما يجعلها موقعًا بارزًا في حسابات القوى الكبرى.
مواقف عدد من العواصم الأوروبية
لكن ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو الرد الأوروبي الموحد الذي ظهر بشكل واضح في مواقف عدد من العواصم الأوروبية، التي أكدت أن سيادة غرينلاند وارتباطها بالدنمارك يجب أن تبقى غير قابلة للتفاوض، وأن أي ترتيبات أمنية أو تعاون عسكري ينبغي أن تُبنى على أساس احترام تام لحقوق الإقليم وشروطه القانونية.
وفي هذا السياق، أشار زعماء أوروبيون إلى أن الأزمة دفعت الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي إلى إعادة تقييم استراتيجيات الأمن في القطب الشمالي، مع التركيز على تعزيز التعاون الدفاعي، وتنسيق الجهود لمواجهة التحديات المتنامية في المنطقة، وفي طليعتها التأثيرات الروسية والصينية. ويرى هؤلاء أن تعزيز الأمن في القطب لا ينبغي أن يتم عبر ممارسات أحادية الجانب أو ضغوط تهدد توازن العلاقات مع الشركاء التاريخيين.
إطار تفاهم مع الجانب الأوروبي
وعلى الرغم من إعلان واشنطن عن “إطار تفاهم” مع الجانب الأوروبي يهدف إلى ضمان وجود دائم للقوات الأميركية في جرينلاند، فقد أظهر القادة الدنماركيون والغرينلنديون مرارًا رفضهم لأي محاولات تقوض سيادتهم أو تحول دون أن يكون لسكان الإقليم دور مباشر في تحديد مستقبلهم.
ويؤكد هؤلاء أن المسار السياسي يجب أن يقوده السكان المحليون، وأن أي اتفاقات تتعلق بالوجود العسكري أو الترتيبات الأمنية يجب أن تتم بموافقتهم ومع احترام القوانين الدولية.
أثارت داخل الاتحاد الأوروبي
كما أن الأزمة حول جرينلاند أثارت تساؤلات داخل الاتحاد الأوروبي حول درجة الاعتماد على الولايات المتحدة في أمن المنطقة، ومدى حاجة أوروبا إلى تطوير قدراتها الذاتية في مواجهة التهديدات الجيوسياسية المستقبلية.
وتشير بعض التحليلات إلى أن الأزمة تمثل اختبارًا مهمًا لوحدة الموقف الأوروبي، خاصة بين دول تمثل مصالح استراتيجية مختلفة في المنطقة القطبية.
الى جانب ذلك، بدا التوتر في العلاقات العابرة للأطلسي واضحًا بعض الشيء، مع تحذيرات من أن التصريحات السابقة حول غرينلاند قد تهدد الثقة المتبادلة بين الحلفاء، وتؤدي إلى إعادة نظر في بعض بنود التعاون الدفاعي. ويعتقد محللون أن هذا الملف قد يترك أثراً طويل الأمد على أسس الشراكة بين الولايات المتحدة وأوروبا، إذا لم يتم التعامل معه بحس دبلوماسي عالي وتوافق سياسي شامل يحترم السيادة ويعزز الأمن الجماعي.

