بعد أسبوع مشحون بالتهديدات والتصعيد العسكري، بدت فيه المنطقة وكأنها على أبواب مواجهة أميركية–إيرانية مفتوحة، اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرارًا مفاجئًا بالتراجع عن توجيه ضربة عسكرية لطهران، في لحظة وصفت داخل واشنطن بأنها الأكثر حساسية منذ عودته إلى البيت الأبيض، قرار لم يصدر، رغم أن الآلة العسكرية كانت قد دخلت مرحلة الاستعداد النهائي.
تصعيد غير مسبوق ورسائل نار
وخلال أيام قليلة، رفع ترامب سقف خطابه إلى مستويات غير معهودة، فألغى أي حديث عن لقاءات مع القيادة الإيرانية، ودعا علنًا المحتجين داخل إيران إلى إسقاط النظام، ملوحًا بدعم أميركي وشيك.
وتزامن ذلك مع إشارات متلاحقة عن استعداد عسكري واسع، ما عزز الانطباع بأن الضربة مسألة توقيت لا أكثر.
هذا المناخ التصعيدي انعكس على تحركات ميدانية سريعة، شملت إعادة تموضع قوات أميركية، وتعزيز الوجود البحري والجوي في المنطقة، في مشهد أعاد إلى الأذهان بدايات أزمات عسكرية سابقة انتهت بالحرب.
الاستعداد اكتمل.. والزر لم يُضغط
في الكواليس، كانت القيادة العسكرية الأميركية تتصرف على أساس أن القرار السياسي سيصدر خلال ساعات. تحركات لوجستية، وإخلاءات جزئية من قواعد حساسة، وتعزيز منظومات الدفاع الصاروخي، كلها عكست مستوى الجدية الذي بلغته التحضيرات.
وداخل غرفة القرار، سمع ترامب تقديرات مغايرة للتصعيد العلني، مسؤولون عسكريون حذروا من أن أي ضربة، مهما بدت “سريعة وحاسمة”، لن تضمن إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، وقد تفتح الباب أمام ردود فعل متسلسلة يصعب احتواؤها.
الأخطر، بحسب تلك التقديرات، أن واشنطن لا تملك في تلك اللحظة القدرة الكاملة على خوض مواجهة ممتدة، مع ضمان حماية قواتها وحلفائها في آن واحد، خصوصاً في ظل شبكة النفوذ الإيراني الإقليمية.
الخط الأحمر الذي ارتد عكسيًا
برفعه سقف التهديد علنًا، وضع ترامب نفسه أمام اختبار المصداقية، فالرسائل القاسية التي وجهت إلى طهران لم تضعف قبضة النظام، بل دفعت السلطات الإيرانية إلى تشديد القمع، في محاولة لإغلاق أي نافذة قد تفسر على أنها فرصة لتدخل خارجي.
ويرى مراقبون، أن هذا التصعيد الكلامي خلق “أثرًا عكسيًا”، إذ سارع النظام الإيراني إلى سحق الاحتجاجات قبل أن تتحول إلى ورقة ضغط حقيقية بيد واشنطن.
قلق من ترك المتظاهرين وحدهم
في واشنطن، برزت مخاوف من أن تشجيع المحتجين علنًا، من دون استعداد فعلي للتدخل، قد يتركهم مكشوفين أمام القمع، هذا القلق لم يكن أخلاقياً فقط، بل سياسيًا أيضًا، إذ إن فشل الرهان على الضغط الشعبي ينعكس مباشرة على صورة الولايات المتحدة ونفوذها.
بعض الأصوات داخل الإدارة رأت أن المضي في التهديد من دون تنفيذ، أو التنفيذ من دون استراتيجية خروج، كلاهما خيار مكلف.
لحظة التحول الصامتة
بحلول منتصف الأسبوع، بدأ خطاب ترامب يتغير بهدوء، اختفت لغة الضربة الوشيكة، وظهرت إشارات إلى رسائل غير مباشرة من طهران تتحدث عن وقف الإعدامات، ومع تداول هذه الإشارات، أعاد الرئيس الأميركي حساباته، وقرر كبح المسار التصعيدي.
التحول لم يعلن دفعة واحدة، بل تسلل تدريجيًا إلى تصريحات مقتضبة، قبل أن يتأكد لاحقًا أن خيار الضربة تم تجميده.
لم تكن واشنطن وحدها في هذه المعادلة. حلفاء إقليميون وغربيون حذروا من أن الضربة جاءت متأخرة عن التأثير في الشارع الإيراني، لكنها مبكرة جداً لتحمّل تبعاتها العسكرية والسياسية، وأُبلغ البيت الأبيض بأن أي هجوم سيشعل ردود فعل واسعة، ويضع الحلفاء في مرمى التصعيد.
رغم كل هذه المعطيات، أصر ترامب على أن التراجع كان قراره الشخصي، وأنه لم يخضع لضغوط، غير أن المشهد الأوسع يكشف أن ما جرى لم يكن تراجعًا بقدر ما كان فرملة اضطرارية، فرضتها حسابات الواقع، لا شعارات التصعيد.

