تعد منظومة الرقم الوطني في ليبيا الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة؛ فهي المفتاح لكل شيء، بدءًا من الحصول على الراتب والتموين، وصولاً إلى استخراج جواز السفر والمشاركة في الانتخابات، إلا أن هذا “المفتاح” تحول مؤخرًا إلى ثغرة أمنية كبرى تهدد كيان الدولة؛ مما دفع قطاعات واسعة من الليبيين للمطالبة بـ “تصفير” المنظومة وإعادة بنائها على أسس بيومترية دقيقة.
اختراق السيادة.. أرقام مرعبة خلف “الأرقام الوطنية”
فمنذ سنوات، والشكوك تحوم حول دقة السجل المدني الليبي، لكن عامي 2025 وبداية 2026 شهدا انفجارًا في الحقائق الصادمة، وفقًا لتقارير مكتب النائب العام، تم ضبط عشرات الآلاف من القيود المزورة.
أرقام تعكس حجم الكارثة
حيث إنه تم ثبوت 88 ألف رقم وطني تم إيقافها لثبوت منحها لغير ليبيين أو بناءً على مستندات وهمية و34 ألف قيد عائلي مزور بالكامل داخل منظومة الأحوال المدنية و225 وافدًا من جنسية واحدة (مالي) حصلوا على أرقام وطنية وجوازات سفر ليبية في واقعة واحدة بمنطقتي هون وسوكنة، و أكثر من 200 مليون دينار صُرفت كمرتبات ومنح لأرقام وطنية وهمية أو مزورة.
هذه الأرقام لم تكن مجرد أخطاء إدارية، بل كانت نتاج شبكات فساد تضم موظفين داخل مصلحة الأحوال المدنية تلاعبوا ببيانات “أرباب الأسر” لإضافة أجانب مقابل مبالغ مالية.
التداعيات الأمنية
إن المطالبة بـ “تصفير المنظومة” لا تنبع من رغبة في التعقيد الإداري، بل من إدراك شعبي لمخاطر أمنية لا يمكن التغاضي عنها منها التهديد الديموغرافي وتغيير التركيبة السكانية، حيث يخشى الليبيون من أن منح الجنسية عبر “الباب الخلفي” للمنظومة الرقمية سيؤدي على المدى الطويل إلى تغيير هوية المجتمع.
التزوير مكّن آلاف الوافدين من الاندماج كـ “مواطنين” كاملي الحقوق، مما يربك خطط الدولة في التنمية والخدمات ويخلق صراعات اجتماعية مستقبلاً.
فالرقم الوطني المزور هو “الغطاء المثالي” للعناصر الإجرامية أو الإرهابية والحصول على هوية ليبية يتيح لهذه العناصر التحرك بحرية داخل البلاد، وفتح حسابات مصرفية، بل والسفر بجوازات سفر رسمية؛ مما يجعل تتبعهم من قبل الأجهزة الأمنية أمراً شبه مستحيل.
وتعاني ليبيا من أزمة سيولة وتضخم، ومع ذلك، تذهب مئات الملايين من خزينة الدولة في شكل منحة الزوجة والأبناء، ومنح أرباب الأسر، والمرتبات إلى جيوب أشخاص لا يحملون الجنسية أصلاً. هذا الاستنزاف يضعف قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين الشرعيين.
إن أي انتخابات قادمة في ليبيا تعتمد كليًا على قاعدة بيانات الرقم الوطني. وجود آلاف الأرقام المزورة يعني إمكانية تزوير إرادة الشعب عبر “ناخبين وهميين”، مما يفقد العملية الديمقراطية شرعيتها ويؤجج الصراعات السياسية.
قضية “الوافد المغربي”.. القشة التي قصمت ظهر البعير
في مطلع يناير 2026، هزت قضية وافد مغربي الرأي العام الليبي، حيث كشفت التحقيقات عن تمكنه بالتآمر مع مدير تقنية المعلومات بمصلحة الأحوال المدنية و5 موظفين من الحصول على أرقام وطنية له ولأسرته، بل وتولي منصب رئيس مجلس إدارة شركة حكومية (النقل السريع)، هذه الواقعة أثبتت أن التزوير لم يعد يقتصر على الحصول على منحة مالية، بل وصل إلى اختراق مفاصل الدولة الإدارية والسيادية.
ماذا يعني “تصفير المنظومة”؟ وما هي الحلول المطروحة؟
تتلخص مطالب الليبيين في خطة “تصفير” شاملة تشمل إيقاف المنظومة الحالية مؤقتًا؛ لإجراء مطابقة ورقية وميدانية شاملة لكل القيود وإدراج البصمة الحيوية (البيومترية)، وربط الرقم الوطني ببصمة الإصبع والعين لكل مواطن، لضمان عدم التكرار أو التزوير، وإعادة إصدار “كتيب العائلة” بنسخة مؤمنة: استخدام ورق أمني غير قابل للتزوير يُطبع في الخارج بمواصفات عالمية، وتطهير مصلحة الأحوال المدنية: ملاحقة الموظفين المتورطين قضائيًا وإعادة هيكلة الإدارات التقنية.
الأمن القومي فوق كل اعتبار
إن المطالبة بتصفير منظومة الرقم الوطني في ليبيا ليست مجرد مطلب فني، بل هي صرخة لإنقاذ ما تبقى من سيادة الدولة، فالهوية الوطنية هي السد المنيع الذي يحمي المجتمع من الفوضى، وأي تهاون في حماية هذه المنظومة يعني شرعنة الاختراق الأجنبي لمستقبل الليبيين وأرزاقهم.

