ذات صلة

جمع

لاريجاني يحذر: طهران على حافة الاشتعال

في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، اختارت القيادة الإيرانية...

حضرموت في مهب الفوضى.. صراع الأجنحة يعرّي الإخوان الإرهابيين في مأرب

أعادت أعمال النهب الواسعة التي طالت معسكرات ومقارًا حكومية...

بين واشنطن وبوغوتا.. بيترو يتحرك لتفادي سيناريو مادورو

دفعت التطورات الدراماتيكية في فنزويلا، ولا سيما اعتقال الرئيس...

إيران بين ضغط الشارع ورسائل النار.. التصعيد الأميركي يختبر صلابة الداخل

دخلت الأزمة الإيرانية منعطفًا أكثر تعقيدًا مع توجيه طهران...

غرينلاند على طاولة المساومة.. عندما يختبر “ترامب” تماسك الناتو

عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أسلوبه المفضل في...

صراع السيادة والبيئة.. هل المجمع الكيميائي “أكبر من القضاء” في تونس؟

تعتبر قضية المجمع الكيميائي التونسي واحدة من أعقد الملفات التي تواجه الدولة التونسية في العصر الحديث، فهي ليست مجرد أزمة بيئية، بل هي تشابك معقد بين “سيادة الدولة” الاقتصادية وحقوق الإنسان في بيئة سليمة.

عملاق الاقتصاد المنهك

تأسس المجمع الكيميائي ليكون الركيزة الأساسية للصناعة التحويلية للفوسفات في تونس، خاصة في ولايات قابس وصفاقس وقفصة، حيث يساهم المجمع بجزء كبير من الصادرات التونسية ويوفر آلاف مواطن الشغل، مما يجعله “شريان الحياة” للاقتصاد الوطني.

ومع ذلك، فإن هذا الثقل الاقتصادي تحول بمرور العقود إلى “درع” يحمي المؤسسة من المحاسبة الجدية، حيث يتم تقديم الحجج الاقتصادية والاجتماعية مثل شبح البطالة وانهيار العملة الصعبة في كل مرة يُفتح فيها ملف الانتهاكات البيئية.

الكارثة البيئية

تعد مدينة قابس المثال الأبرز على التكلفة الباهظة لهذه الصناعة. لسنوات طويلة، قام المجمع بسكب آلاف الأطنان من مادة الفوسفوجيبس “الجبس الفسفاطي” يوميًا في عرض البحر.

كما أن تداعيات التلوث في قابس القضاء على الأعشاب البحرية “البوسيدونيا” التي كانت محضنة للأسماك؛ مما أدى لاندثار أنواع نادرة وتسرب المواد الكيميائية إلى المياه الجوفية؛ مما أثر على واحات قابس الفريدة “الواحات البحرية الوحيدة في المتوسط” وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية والتنفسية بين سكان المناطق المجاورة للمصانع.

القضاء التونسي والقرارات المعطلة

وعلى مر السنين، رفعت منظمات المجتمع المدني، مثل “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” وحملة “ستوب بوليون” ، قضايا عديدة ضد المجمع. ورغم صدور أحكام قضائية تقضي بضرورة إيجاد حلول جذرية للتلوث السائل والغازي، إلا أن التنفيذ ظل يراوح مكانه.

لماذا يصعب تنفيذ الأحكام؟

يتذرع المجمع دائمًا بأن أي توقف فجائي للنشاط سيؤدي إلى شلل اقتصادي واجتماعي قد يؤدي لانتفاضات شعبية في مناطق تعاني أصلاً من التهميش وتعثرت مشاريع “المدينة الصناعية الجديدة” وتغيير موقع مصبات الفوسفوجيبس بسبب الرفض الشعبي في المناطق المقترحة مثل منطقة منزل الحبيب، وتداخل الصلاحيات بين وزارة البيئة ووزارة الصناعة يجعل من ملف المجمع كرة تقذفها الأطراف السياسية لبعضها البعض.

صراع السيادة

تجد الدولة التونسية نفسها في موقف المتناقض؛ فهي “الخصم والحكم”. فمن جهة، تلتزم الدولة عبر الدستور التونسي بضمان الحق في بيئة سليمة، ومن جهة أخرى هي المالك والمشغل للمجمع الكيميائي الذي يلوث هذه البيئة.

ففي حين تُطبق القوانين البيئية بصرامة على المصانع الصغرى والخاصة، يتم التعامل مع المجمع الكيميائي بمنطق “الاستثناء الضروري” لحماية التوازنات المالية الكبرى.

السيادة لا تكتمل بدون صحة المواطن

إن القول بأن المجمع الكيميائي “أكبر من القضاء” هو اعتراف بضعف الدولة أمام مصالحها الآنية. السيادة الحقيقية ليست في تحصيل العملة الصعبة على حساب أرواح المواطنين، بل في بناء نموذج تنموي يحترم القانون والبيئة، كما أن إنقاذ المجمع الكيميائي اقتصاديًا يجب أن يمر حتمًا عبر تصالحه مع محيطه البيئي والاجتماعي، وإلا سيبقى هذا العملاق “قنبلة موقوتة” تهدد السلم الاجتماعي التونسي.