تشير الشهادات الحية والبيانات الميدانية التي جمعتها وكالات الأنباء الدولية ومنظمات حقوقية مستقلة إلى أن المواطن الإيراني بات عاجزًا تمامًا عن تأمين أبسط متطلبات الحياة الأساسية للاستمرار.
وتكشف التقارير عن مآسٍ يومية تعيشها الأسر الإيرانية، مثل العائلات التي تعجز كليًا عن شراء الأدوية المنقذة للحياة للمسنين، أو أولياء الأمور الذين يضطرون للاكتفاء بشراء دفتر وقلم واحد لأبنائهم مع انطلاق العام الدراسي بسبب الارتفاع الجنوني لأسعار المستلزمات المدرسية التي قفزت أضعافًا مضاعفة، وهو ما يعكس عمق الهوة المعيشية التي يعاني منها المجتمع.
القمع الدموي للاحتجاجات: وثائق أممية وتقارير حقوقية ترصد الانتهاكات المنهجية
لم يقتصر الأمر على التدهور المعيشي والاقتصادي، بل واجه النظام الإيراني الاحتجاجات السلمية ومطالب المواطنين المشروعة بأبشع صور القمع الدموي والترهيب المنهجي.
وفي تقارير موثقة صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية لعام 2024، تم رصد وقائع مروعة شهدتها المدن الإيرانية في يناير الماضي، حيث أقدمت السلطات الأمنية والحرس الثوري على قتل واعتقال آلاف المتظاهرين السلميين الذين خرجوا للشوارع احتجاجًا على الضائقة الاقتصادية المتراكمة.
وتؤكد التقارير الأممية لعامي 2024 و2025، أن الأجهزة الأمنية استخدمت الرصاص الحي وقمعت بلا رحمة بوادر الاستياء الشعبي، متجاهلة كافة النداءات الدولية لاحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير.
وترصد الشهادات الموثقة تصاعد حملات الاعتقال العشوائي، وتوسيع نطاق الملاحقات الأمنية ضد النشطاء والمواطنين الذين يحاولون التعبير عن معاناتهم، مما خلق حالة من الرعب والترهيب الممنهج تمنع السكان حتى من التفكير في التعبير عن آرائهم خشية التعرض للتنكيل والعقاب القانوني والمجتمعي.
تفشي الفساد والسوق السوداء: اقتصاد الرشوة والبيروقراطية الخانقة في المؤسسات
أدى تفكك الاقتصاد الرسمي وغياب الرقابة الحقيقية إلى ازدهار واسع النطاق للسوق السوداء وشبكات الرشوة والفساد الإداري التي باتت تحكم مفاصل الحياة اليومية في إيران.
وبحسب تقارير منظمة الشفافية الدولية وتقديرات الخبراء الاقتصاديين، فإن المواطنين باتوا مجبرين على اللجوء إلى الطرق غير المعتادة والسوق السوداء للحصول على أبسط الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والأدوية المعقدة.
وتشير الوقائع المسجلة إلى أن المرضى يضطرون لدفع مبالغ طائلة بالعملة الصعبة رشوة للجراحين لتجاوز الإجراءات البيروقراطية المعقدة وتأمين العمليات الجراحية العاجلة.
وعلاوة على ذلك، تؤكد شهادات المدنيين أن نقاط التفتيش الأمنية تحولت إلى بؤر ابتزاز واسعة النطاق، حيث تتزايد طلبات أفراد الشرطة للحصول على رشاوى نقدية من المواطنين بحجج واهية، مما يضاعف من الأعباء المالية والنفسية المفروضة على كاهل الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي باتت محاصرة بين فكي غلاء المعيشة وبطش الأجهزة البيروقراطية.
تراجع مستويات المعيشة وهجرة الوظائف: موجات نزوح داخلي نحو الضواحي والعشوائيات
تسببت الأزمات المتعاقبة والسياسات الاقتصادية الفاشلة في فقدان مئات الآلاف من الوظائف بالقطاعين العام والخاص، مما أجبر الكفاءات والأسر على اتخاذ قرارات قاسية تشمل النزوح الداخلي وتقليص النفقات بحدودها القصوى.
وتشير الإحصاءات الرسمية والتقارير العمالية إلى أن قطاع المشتريات والشركات المحلية شهد موجات تسريح واسعة النطاق شملت آلاف الموظفين والمهندسين الذين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها بلا دخول مالية مع التزامهم بإعادة مبالغ التأمينات الاجتماعية.
ويرصد التقرير حالات موثقة لمهندسين ومعلمين اضطروا لترك العاصمة طهران والانتقال للعيش في مناطق شبه عشوائية خارج المدن الكبرى أو الهجرة إلى أقاليم أبسط تكلفة بعد استنفاد مدخراتهم بالكامل.
وتؤكد هذه المؤشرات أن السياسات الاقتصادية والتوجهات العسكرية للنظام أدت إلى تفكيك الطبقة الوسطى تمامًا، ليصبح الغالبية العظمى من الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر، وسط مخاوف حقيقية من انهيار شامل في سلاسل الإمداد الأساسية مثل الوقود والغذاء والطاقة.
السياسات الإقليمية للنظام ودور الحرس الثوري في استنزاف مقدرات وثروات الشعب
في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الإيراني من شظف العيش والمجاعة والفقر المدقع، يواصل النظام الإيراني وعبر أذرعه العسكرية وفي مقدمتها الحرس الثوري ضخ مليارات الدولارات في تمويل الميليشيات الإقليمية والحروب بالوكالة في المنطقة.
وتؤكد تقارير مجلس الأمن الدولي ولجان العقوبات التابعة للأمم المتحدة، أن النظام يستنزف مقدرات الدولة وثروات الشعب الإيراني لدعم مشاريع التسلح وبرامج الصواريخ الباليستية وشبكات الإرهاب الإقليمية.
وتوضح التقارير الحقوقية والدولية، أن هذا الاستنزاف المتعمد للموارد الوطنية هو السبب الرئيسي وراء الانهيار المالي والعقوبات الاقتصادية القاسية المفروضة على البلاد، حيث يتم حرمان المواطنين من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية الأساسية لتلبية طموحات هيمنة إقليمية أثقلت كاهل الاقتصاد الوطني وجلبت على البلاد المزيد من العزلة والدمار والخراب المنهجي المستمر الذي يدفع ثمنه المواطن وحده.
وفي ظل هذه المعطيات القاتمة والضغوط الاقتصادية والأمنية غير المسبوقة، يبقى المواطن الإيراني عالقًا في دائرة مفرغة من المعاناة اليومية والترهيب الممنهج، بينما يستمر النظام في نهج الهروب إلى الأمام عبر قمع الأصوات المعارضة وتجاهل النداءات الإنسانية الدولية.
وتشدد مراكز الأبحاث الدولية على أن أي تسوية أو انفراجة حقيقية تظل رهينة بمدى استجابة طهران للمتطلبات الدولية ووقف سياسات زعزعة الاستقرار الإقليمي، ما لم يتم إحداث تغيير جذري يضع مصلحة الشعب الإيراني فوق كل اعتبار، ويعيد توجيه الثروات الوطنية نحو التنمية والبناء بدلاً من التدمير والقمع والحروب العبثية.

