أثار إعلان حركة حماس تضامنها المطلق مع إيران في ظل المواجهات العسكرية الراهنة موجة واسعة من الانتقادات بين الخبراء والمحللين السياسيين العرب، الذين اعتبروا هذا الموقف تأكيدًا جديدًا على ارتهان الحركة الكامل لمحور طهران.
ويرى الخبراء، أن هذا الاصطفاف لا يمثل مجرد موقف عابر، بل هو ترسيخ لتبعية سياسية وعسكرية تقيد استقلالية القرار الفلسطيني وتضع المقاومة في خانة الوكيل الإقليمي، مما يحول القضية من نضال وطني من أجل التحرر إلى أداة ضمن استراتيجية إيرانية أوسع تهدف لزعزعة استقرار المنطقة وتوسيع نفوذ نظام الولي الفقيه.
وأوضحت بيانات الحركة الأخيرة، التي نعت فيها المرشد الإيراني علي خامنئي وأشادت بمسيرته، حجم التماهي بين رؤية حماس وأجندة الحرس الثوري الإيراني، حيث اعتبرت كتائب القسام أن خامنئي كان الداعم الرئيس لمحور المقاومة.
هذا الربط الوثيق وفق المُحللين، يضر بعدالة القضية الفلسطينية ويمنح الخصوم ذريعة لتصوير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كجزء من صراع نفوذ إقليمي أوسع، مما يضعف التعاطف الدولي ويقلص هوامش المناورة الدبلوماسية للفلسطينيين أمام المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية التي باتت تنظر بريبة لهذا التحالف العابر للحدود.
وفي سياق متصل، أثار تجاهل حماس المتعمد للاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج العربي استياءً كبيرًا، حيث اعتبر الخبراء أن هذا الصمت يعكس “ازدواجية مرفوضة” تضع مصالح إيران فوق الأمن القومي العربي.
إن الامتناع عن إدانة استهداف الأعيان المدنية في دول عربية شقيقة يضع الحركة في عزلة سياسية محتملة داخل محيطها العربي، ويهدد بفقدان الدعم الشعبي والدبلوماسي الذي كانت تتمتع به، مما يصورها كفصيل يغلب الولاء الأيديولوجي الضيق على الانتماء للعروبة والمصالح الاستراتيجية المشتركة لشعوب المنطقة.
تبعات ربط الساحات
إن دعوات حماس المتكررة للشعوب العربية للتحرك غضبًا ضد الولايات المتحدة وإسرائيل في هذا التوقيت الحساس تُفهم عسكريًا وسياسيًا كمحاولة لتصدير الأزمة الإيرانية إلى الداخل العربي.
ويرى الخبراء، أن هذه الدعوات تهدف إلى إثارة الفوضى وتحويل الغضب الشعبي إلى أداة تخدم الأجندة الإيرانية المأزومة، مما يضع الحكومات العربية في مواجهة مع شعوبها ويخدم استراتيجية طهران في “تفتيت المجتمعات” من الداخل لتقليل الضغط العسكري المسلط عليها في العاصمة طهران ومدنها الكبرى.
غياب الوعي السياسي
إن استمرار هذا النهج من قبل قيادة حماس، المتمثل في الارتماء الكامل في الحضن الإيراني، يؤدي إلى “تآكل المصداقية” العربية للحركة ويزيد من صعوبة تسويق القضية الفلسطينية كقضية عادلة بعيدة عن التجاذبات المذهبية والسياسية، وبدلاً من أن تكون حماس جسرًا للوحدة الوطنية الفلسطينية، أصبحت طرفًا في تعميق الانقسام العربي-العربي، مما يخدم بشكل مباشر الأهداف الإسرائيلية في تفتيت الموقف العربي الموحد تجاه حقوق الشعب الفلسطيني، ويجعل من استعادة استقلالية القرار الفلسطيني ضرورة قصوى لإنقاذ ما تبقى من آمال السلام والاستقرار.
إن الارتهان للمشروع الإيراني يحول القضية الفلسطينية من قضية “تحرر وطني” إلى “ورقة مقايضة” في مفاوضات الملف النووي أو النفوذ الإقليمي لطهران، وإذا لم تدرك حماس خطورة هذا المسار وتعود لعمقها العربي الأصيل، فإنها ستجد نفسها في مواجهة ليس فقط مع المجتمع الدولي، بل مع الشعوب العربية التي بدأت ترفض استغلال مشاعرها القومية لخدمة أجندات خارجية لا تضمر الخير للمنطقة، مؤكدة أن الولاء للأوطان يجب أن يسبق أي انتماءات عابرة للحدود أو تحالفات مشبوهة تستهدف زعزعة الأمن العربي.

