تعتبر الأزمة الأوكرانية، اليوم، النقطة المحورية التي ستحدد شكل النظام الدولي في العقود القادمة، حيث لم تعد الحرب مجرد صراع حدودي بين دولتين جارتين، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الغرب على الحفاظ على نفوذه في مواجهة الطموحات الروسية الساعية لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي القديم.
في قلب هذا الصراع يبرز التساؤل حول المصير النهائي لأوكرانيا، هل ستتحول إلى دولة كاملة العضوية في المنظومة الغربية، أم أن الجغرافيا السياسية ستفرض عليها دور “المنطقة العازلة” التي تفصل بين طموحات موسكو التوسعية وحذر العواصم الغربية من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة وشاملة؟
هذا المفهوم، الذي يعود إلى أدبيات الحرب الباردة، بات يطرح نفسه بقوة على طاولة النقاشات الدبلوماسية كحل وسط محتمل لإنهاء النزاع الدامي، رغم ما يحمله من تحديات لسيادة كييف وتطلعات شعبها.
الجذور التاريخية وفخ الجغرافيا
لطالما نظرت روسيا إلى أوكرانيا بوصفها “العمق الاستراتيجي” الذي لا يمكن التفريط فيه، وهي رؤية نابعة من إدراك تاريخي بأن السيطرة على السهول الأوكرانية هي المفتاح لتأمين الحدود الروسية الغربية من أي غزو محتمل.
من جانبه، يرى الغرب بقيادة الولايات المتحدة، أن انضمام أوكرانيا إلى المعسكر الديمقراطي يمثل انتصارًا للقيم الغربية وحصارًا للنفوذ الروسي في القارة العجوز.
هذا التصادم في الرؤى جعل من أوكرانيا ساحة تجاذب لا تهدأ، حيث يرفض الكرملين بشكل قاطع وجود قوات الناتو على حدوده المباشرة، بينما تخشى العواصم الأوروبية من أن أي تنازل في الملف الأوكراني سيعني فتح الشهية الروسية تجاه دول البلطيق أو بولندا، مما يعيد أوروبا إلى عصور الصراعات الكبرى التي ظن العالم أنها ولت بغير رجعة.
سيناريو “المنطقة العازلة” والمخاوف المشتركة
إن فكرة تحويل أوكرانيا إلى منطقة عازلة تعني عمليًا بقاءها خارج التكتلات العسكرية الرسمية مثل حلف الناتو، مع توفير ضمانات أمنية كافية لحماية أراضيها من أي اعتداء مستقبلي.
هذا الخيار يجد صدى لدى بعض القادة الغربيين الذين يخشون من أن انضمام أوكرانيا الفوري للناتو قد يؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة ودخول العالم في حرب نووية مدمرة، ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يواجه معارضة شديدة من الجانب الأوكراني الذي يرى في “الحياد المفروض” مكافأة للعدوان الروسي واعترافًا ضمنيًا بمناطق النفوذ.
إن “الحياد” بالنسبة لكييف لا يجب أن يكون مجرد تجريد من السلاح، بل يجب أن يكون مدعومًا بجيش وطني قوي وقدرات دفاعية ذاتية تجعل من أي غزو مستقبلي مغامرة مكلفة جدًا لموسكو، وهو ما يسمى في العلوم السياسية بـ “الحياد المسلح”.
الطموحات الروسية وتكتيكات “القضم” المستمر
ما تزال موسكو تراهن على عامل الوقت وتراجع الدعم الغربي لأوكرانيا، حيث تسعى روسيا من خلال حرب الاستنزاف إلى إرهاق الاقتصاد العالمي وإثارة القلاقل السياسية داخل المجتمعات الغربية.
كما أن الهدف الاستراتيجي للرئيس فلاديمير بوتين يتجاوز مجرد السيطرة على إقليم دونباس، ليصل إلى ضمان وجود حكومة في كييف تدور في الفلك الروسي أو على الأقل تلتزم بوضع حيادي تام يمنع الغرب من استخدام الأراضي الأوكرانية كمنصة انطلاق سياسية أو عسكرية.
وفي ظل هذا الضغط، يبرز الحذر الغربي في تقديم أسلحة نوعية قد تغير موازين القوى بشكل جذري، خوفًا من التصعيد غير المحسوب، وهو ما يعزز فرضية القبول بمنطقة رمادية تفصل بين الجانبين لسنوات طويلة قادمة.
مستقبل الأمن الأوروبي في ظل الانقسام
إذا ما تم التوافق على تحويل أوكرانيا إلى منطقة عازلة، فإن ذلك سيؤدي إلى رسم “خط تماسك” جديد في شرق أوروبا يذكرنا بجدار برلين ولكن بصورة تكنولوجية وعسكرية حديثة.
هذا الواقع الجديد سيفرض على الدول الأوروبية، خاصة تلك المتاخمة لروسيا، إعادة النظر في ميزانياتها الدفاعية وعقائدها العسكرية، حيث ستتحول المنطقة من مرحلة “السلام الدائم” إلى مرحلة “الردع المستمر”.
إن مستقبل شرق أوروبا يعتمد بشكل كبير على مدى قدرة الأطراف الدولية على التوصل إلى صيغة أمنية تضمن سيادة أوكرانيا وفي الوقت نفسه تبدد الهواجس الروسية، وهي معادلة تبدو حتى الآن شديدة التعقيد في ظل غياب الثقة المتبادلة وتصاعد لغة التهديد العسكري من كافة الأطراف.
مآلات الصراع وفرص التسوية
يظل مستقبل أوكرانيا معلقًا بين رغبة جامحة في الاستقلال والاندماج الكامل في الفضاء الأوروبي، وبين واقع جغرافي وسياسي يضعها في قلب صراع الجبابرة.
إن تحولها إلى منطقة عازلة قد يكون “شرًا لابد منه” في نظر بعض البراغماتيين لتجنب حرب عالمية ثالثة، ولكنه يظل حلاً هشًا ما لم يقترن بخطة دولية شاملة لإعادة الإعمار وضمانات قانونية ملزمة وإن التاريخ سيسجل أن ما يحدث في شرق أوروبا اليوم هو إعادة تعريف لمفهوم السيادة الوطنية في القرن الحادي والعشرين، حيث تتداخل المصالح القومية مع التوازنات الدولية الكبرى، مما يجعل من أوكرانيا الاختبار الأصعب للضمير العالمي وللقوة العسكرية والدبلوماسية على حد سواء.

