لم تكن مجرد شجرة جميز تقف وسط مشهد طبيعي خلاب في بريطانيا، بل كانت علامة مميزة ارتبطت بواحد من أشهر المواقع التاريخية في البلاد، وأصبحت مقصدًا للزوار والتقاط الصور على مدار سنوات، قبل أن تتحول لحظة سقوطها إلى واقعة أثارت حزنًا وغضبًا واسعين.
ففي سبتمبر 2023، أقدم رجلان على قطع الشجرة الشهيرة المجاورة لسور هادريان، في حادثة لم يتوقع مرتكباها أن تتحول إلى قضية رأي عام، وأن تنتهي بإصدار حكم بسجنهما لمدة 4 سنوات و3 أشهر.
وأعادت الواقعة فتح النقاش حول قيمة الأشجار التي ترتبط بالذاكرة الجماعية للمجتمعات، وكيف يمكن لفقدان معلم طبيعي واحد أن يترك أثرًا يتجاوز حدود المكان الذي يوجد فيه.
ولم تتوقف تداعيات الحادث عند التحقيقات والمحاكمة، بل امتدت إلى ردود فعل الجمهور، والتكاليف التي تحملتها المؤسسة المسؤولة عن الموقع لإزالة بقايا الشجرة وتأمين المنطقة المحيطة بها.
قصة شجرة الجميز الشهيرة بجوار سور هادريان
تعود تفاصيل الحادث إلى شجرة جميز كانت تقف في موقع طبيعي مميز بجوار سور هادريان، أحد أبرز المعالم التاريخية في بريطانيا، واكتسبت شهرة كبيرة بفضل موقعها اللافت وسط الطبيعة، حتى أصبحت من العلامات التي يقصدها الزوار عند زيارة المنطقة.
ومع مرور الوقت، لم تعد الشجرة مجرد عنصر طبيعي في المكان، بل ارتبطت بصور وذكريات وتجارب شخصية لدى كثير من الأشخاص الذين زاروا الموقع.
لكن هذا المشهد انتهى في سبتمبر 2023، عندما قرر دانيال جراهام وآدم كارثرز قطع الشجرة، في واقعة وثقها أحدهما بمقطع فيديو على هاتفه المحمول.
وسرعان ما تحولت الحادثة إلى قضية جنائية أثارت اهتمامًا إعلاميًا واسعًا، خاصة مع اتساع موجة الغضب الشعبي بسبب المكانة التي احتلتها الشجرة لدى الجمهور.
وأصبحت الواقعة محل اهتمام ليس فقط بسبب تدمير شجرة شهيرة، وإنما أيضًا بسبب ارتباطها بموقع تاريخي بارز، وبسبب الطريقة التي جرى بها توثيق عملية القطع، وهو ما أتاح لاحقًا الاستناد إلى تسجيلات وأدلة خلال التحقيقات والمحاكمة.
كتاب Felled يكشف تفاصيل محاكمة المتهمين بقطع الشجرة
وتناول الصحفي أندرو هانكينسون تفاصيل الواقعة والمحاكمة في كتابه الجديد «Felled»، مستندًا إلى وقائع القضية وشهادات المتهمين وردود فعل الجمهور، في محاولة لفهم ما حدث، وكيف تحولت جريمة قطع شجرة واحدة إلى قضية أثارت كل هذا القدر من الحزن والغضب في بريطانيا.
ويرصد الكتاب تفاصيل المحاكمة التي استمرت أسبوعين أمام محكمة بريطانية، كما يستعرض الأدلة التي ظهرت خلال نظر القضية، ومن بينها مقطع الفيديو الذي احتفظ به دانيال جراهام على هاتفه، ويوثق عملية قطع الشجرة، إلى جانب رسائل وتسجيلات صوتية تبادلها المتهمان قبل الواقعة وبعدها.
وتكتسب هذه التسجيلات أهمية خاصة لأنها تكشف جانبًا من تعامل المتهمين مع الحادث، إذ تضمنت رسائل عبرا فيها عن دهشتهما من حجم الاهتمام الإعلامي الذي حظيت به الواقعة، كما توقعا أن تتحول إلى خبر واسع الانتشار.
وتوضح هذه التفاصيل أن المتهمين كانا يدركان أن ما حدث قد يثير اهتمامًا عامًا، رغم أنهما لم يتوقعا بالضرورة حجم الغضب الذي أعقب الحادث.
تناقضات في روايات المتهمين خلال المحاكمة
ومن أبرز التفاصيل التي تناولها هانكينسون في كتابه، التناقضات التي ظهرت في روايات المتهمين خلال المحاكمة، حيث أشار إلى إنكار جراهام إبلاغ الشرطة عن شريكه في الواقعة، رغم وجود سجل للمكالمة على هاتفه، وهو ما أضاف عنصرًا مهمًا إلى الأدلة التي ناقشتها المحكمة.
كما تطرق الكتاب إلى رواية آدم كارثرز بشأن تحركه بالسيارة لمسافة طويلة برفقة زوجته وطفلهما حديث الولادة في ليلة الحادث. ويعرض هانكينسون هذه التفاصيل ضمن سياق تتبع تحركات المتهمين وفحص رواياتهما، إلى جانب الأدلة الرقمية والتسجيلات التي ساعدت في إعادة بناء ما جرى.
وتكشف هذه الجوانب أن القضية لم تعتمد فقط على ردود الفعل الغاضبة تجاه قطع الشجرة، بل تضمنت تفاصيل تحقيق ومحاكمة امتدت على مدار أسبوعين، وشملت مراجعة التسجيلات والرسائل ومقارنة أقوال المتهمين بما توفر من أدلة.
30 ألف جنيه إسترليني لإزالة بقايا الشجرة وتأمين الموقع
ولم تقتصر خسائر الواقعة على فقدان الشجرة التي ارتبطت بذاكرة زوار سور هادريان، إذ تكبدت مؤسسة «National Trust»، المسؤولة عن الموقع، نحو 30 ألف جنيه إسترليني للتعامل مع آثار الحادث، وشملت هذه التكلفة إزالة بقايا الشجرة وتأمين المكان والعناية بالمنطقة المتضررة.
وتكشف هذه التكلفة عن جانب آخر من تداعيات الواقعة، فالأضرار لم تتوقف عند قطع الشجرة، بل تطلبت تدخلًا لضمان سلامة الموقع والتعامل مع البقايا الناتجة عن عملية القطع، وهو ما أضاف أعباء مالية على المؤسسة المسؤولة عن الحفاظ على المكان.
كما نقل الكتاب جانبًا من ردود فعل الجمهور، من خلال رسائل عبّر أصحابها عن حزنهم الشديد لفقدان الشجرة، ووصف أحد الأشخاص هذا الفقدان بأنه يشبه خسارة صديق من العائلة، في تعبير يعكس حجم الارتباط العاطفي الذي نشأ بين بعض الزوار والشجرة على مدار سنوات.
ويطرح كتاب «Felled» سؤالًا أساسيًا حول الأسباب التي جعلت سقوط هذه الشجرة تحديدًا يثير كل هذا الحزن والغضب، خاصة أنها كانت جزءًا من مشهد طبيعي ارتبط بمعلم تاريخي شهير، وأصبحت بمرور الوقت رمزًا بصريًا مميزًا للمكان.
لكن الكتاب لا يقدم إجابة حاسمة عن دوافع الجريمة، ولا يحسم بصورة قاطعة أسباب اختيار المتهمين لهذه الشجرة، وإنما يركز على توثيق تفاصيل الحادث والتحقيق والمحاكمة، إلى جانب ردود الفعل التي أعقبت الواقعة وما تركته من أثر في البريطانيين.

