تتواصل وتتسع التداعيات المأساوية الناجمة عن تغول الميليشيات المسلحة وهيمنتها على مقدرات الدولة اللبنانية، حيث تدفع المخاوف المتزايدة من تجدد الحروب العبثية مئات العائلات في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى إلى هجر منازلهم واللجوء إلى نزوح استباقي قسري.
ولم تعد قرارات المغادرة مرتبطة بحدوث الدمار المباشر أو صدور إنذارات الإخلاء العاجلة، بل أضحت حالة الرعب المستمر وتغييب مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية بفعل السلاح المنفلت هما المحرك الأساسي لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية والاجتماعية للبلاد.
وتكشف شهادات المواطنين وتوثيقات المنظمات الحقوقية والأممية عن أزمة كبرى تعصف بالأمن الشخصي والاجتماعي والاقتصادي للبنانيين، الذين باتوا ينفقون مدخراتهم لشراء الحد الأدنى من الأمان المفروض غيابه.
النزوح الاستباقي وتحمل الأعباء المالية: هرب جماعي من البيوت السليمة بحثاً عن الأمان
ويكشف الواقع الميداني في العاصمة بيروت ومحيطها عن صدمة إنسانية واجتماعية غير مسبوقة؛ إذ يُقدم المواطنون على ترك منازلهم التي أنفقوا عليها شقاء عمرهم بالكامل، رغم سلامتها وعدم تعرضها لأي أضرار مادية، للانتقال إلى مناطق أكثر أمانًا كبشامون والأشرفية وخلدة وفاريا.
وتتحمل العائلات أعباء مالية هائلة بدفع إيجارات مضاعفة تُقدر بمئات الدولارات شهريًا بالعملة الصعبة، وسط ظروف اقتصادية ومصرفية طاحنة.
وقد أدت هذه الضغوط الأمنية المعقدة إلى تغيير أنماط التخطيط الاجتماعي للشباب المقبلين على الزواج، وللمتقاعدين الباحثين عن الراحة في سنوات عمرهم الأخيرة؛ حيث أصبحت أولوية اختيار السكن ترتبط بقدرته على استيعاب عائلات متعددة عند اندلاع أي جولة صراع جديدة تفرضها الميليشيات على البلاد.
تدمير البنية التحتية وتهاوي الخدمات المعيشية: نتائج خطيرة لغياب سلطة الدولة
لم تتوقف جرائم الجماعات المسلحة وغير الشرعية عند حد جلب القصف والدمار للمناطق المأهولة بالسكان، بل امتدت لتسهم في شلل كامل لكافة المرافق الخدمية والحيوية داخل العاصمة وضواحيها.
وتكشف المعطيات الميدانية عن انهيار شبكات المياه، وانتشار الخراب، وتلوث البيئة الحضرية والغبار الناجم عن الدمار، مما يحول الأحياء السكنية إلى مناطق غير صالحة للحياة الكريمة.
وتجد الطبقات المتوسطة والفقيرة نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما البقاء في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة اليومية تحت تهديد الضربات العسكرية المفاجئة، أو استنزاف ما تبقى من قدراتهم المالية عبر استئجار أماكن بديلة لتجنب سيناريوهات التشرد والنزوح المفاجئ أثناء المواجهات القتالية.
تقارير حقوقية وأممية توثق الانتهاكات: سلاح الميليشيات يقوض القرارات الدولية
وأكدت التقارير الأممية، أن مصادرة القرار الأمني والعسكري واستخدام الأحياء المدنية كمقرات ومخازن سلاح يمثلان خرقًا صارخًا لقرارات مجلس الأمن الدولي، ولا سيما القرارين 1559 و1701، وينتهكان القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني.
وأوضحت البيانات الحقوقية، أن هذا النهج يجرج المجتمع المدني اللبناني بأكمله إلى أتون مواجهات لا إرادة له فيها، ويحرم المواطنين من حقهم الأساسي في الأمان الشخصي والملكية الخاصة.
تفكك النسيج الاجتماعي والتهديد الوجودي لمستقبل الدولة اللبنانية
وتنعكس هذه الحالة الممتدة من اللااستقرار على البنية الاجتماعية اللبنانية؛ حيث تسود حالة من القلق النفسي المزمن والاضطراب الدائم لدى كافة الفئات العمرية، وبخاصة كبار السن والأطفال.
ويرى الخبراء في الشأن الاجتماعي والحقوقي، أن اضطرار المواطنين لبيع ممتلكاتهم العقارية والهجرة النهائية من أحيائهم التاريخية يؤدي إلى تفكيك القرى والبلدات وتغيير وجه العاصمة بأسلوب قسري، مما يقوض فرص التعافي الاقتصادي ويحرم البلاد من كفاءاتها الشابة.
إن استمرار هذا النهج يكرّس منطق “الدويلة” التي تعلو فوق مؤسسات الجمهورية الدستورية والقضائية، ويترك الشعب اللبناني رهينة لأجندات خارجية ورهانات عسكرية لا تحمي أمنه الوطني ولا صون كرامته.
إن تجريد كافة الميليشيات والتشكيلات المسلحة من سلاحها، وتطبيق القوانين والدستور دون استثناء أو تجزئة، هما الممر الإجباري لاستعادة الأمان وإعادة بناء الاقتصاد الوطني المنهار.
ويبقى توفير الحماية الدولية والدعم المستمر للمؤسسات الشرعية اللبنانية شرطًا أساسيًا لضمان عودة المواطنين إلى ديارهم بأمان، وحماية الأجيال القادمة من دوامة الخوف والتشريد الممتدة.

