لم تعد الطائرات المسيرة الأوكرانية تلاحق الأهداف العسكرية الروسية فحسب، بل امتد تأثيرها إلى قطاع الطاقة وشبكات تصدير النفط، بعدما بدأت ناقلات تابعة لما يعرف بـ”أسطول الظل” الروسي في اعتماد وسائل حماية غير تقليدية، تشمل الشباك والأقفاص المعدنية والإطارات المطاطية، في محاولة لتفادي الهجمات التي تهدد أحد أهم مصادر الدخل لموسكو.

وتكشف هذه التدابير عن انتقال أساليب الحماية المستخدمة في ساحات القتال إلى السفن التجارية، خصوصًا الناقلات التي تنقل النفط الروسي عبر البحر الأسود والممرات البحرية التركية، كما تعكس حجم القلق من قدرة المسيرات على إصابة أجزاء حساسة في السفن، وتعطيلها أو إلحاق أضرار مكلفة بها.
تحصينات مستوحاة من جبهات القتال
منذ أغسطس الماضي، رُصدت ناقلات نفط روسية تعبر مضيق البوسفور وهي محاطة بتجهيزات وقائية، بينها شبكات معدنية وشباك وإطارات مطاطية، في مشهد بات يشبه إجراءات التحصين المنتشرة على خطوط المواجهة بين القوات الروسية والأوكرانية.
وبحسب صور تتبع حركة السفن، جرى توثيق مرور ما لا يقل عن 60 سفينة مزودة بتدابير مضادة للمسيرات عبر المضيق منذ أغسطس، فيما تخضع غالبية هذه الناقلات لعقوبات أميركية وغربية بسبب ارتباطها بنقل النفط الروسي.
وتشير طبيعة التجهيزات إلى أن المشغلين يحاولون حماية أجزاء محددة من السفن، خصوصًا المحركات وأنظمة التوجيه، من الهجمات الجوية منخفضة التكلفة. فالشباك والأقفاص قد تعيق وصول المسيّرة إلى جسم السفينة مباشرة، بينما يمكن للإطارات المطاطية أن تعمل كطبقة إضافية لتخفيف أثر الاصطدام.
وتعرف الأقفاص المعدنية التي ظهرت أولًا على المركبات العسكرية باسم “أقفاص الحماية”، وقد لجأت إليها القوات الروسية والأوكرانية لمواجهة الطائرات المسيرة الصغيرة، ولا سيما المسيّرات التي تقاد عن بعد من منظور الشخص الأول، والتي تستطيع الاقتراب من أهدافها ومهاجمتها بتكلفة أقل من تكلفة أنظمة الدفاع التقليدية.
أسطول الظل.. هدف اقتصادي حساس
تمثل ناقلات أسطول الظل أهمية خاصة لروسيا، لأنها تتيح استمرار تصدير النفط والالتفاف على جانب من القيود والعقوبات الغربية المفروضة على قطاع الطاقة. وتعمل هذه السفن، في كثير من الحالات، خارج منظومة التأمين والخدمات البحرية التقليدية، وتعتمد على ترتيبات مالية وتأمينية مرتبطة بجهات روسية.
ولهذا، فإن استهدافها لا يقتصر على إلحاق أضرار بسفن منفردة، بل قد يمتد إلى زيادة كلفة تشغيل الأسطول، وتعقيد عمليات التأمين والنقل، ورفع المخاطر أمام الشركات والجهات التي تتعامل معه.
وتسعى كييف من خلال هذه الهجمات إلى الضغط على مصادر التمويل التي تعتمد عليها موسكو في مواصلة الحرب، بالتوازي مع استهداف مصافي النفط ومنشآت الطاقة ومواقع أخرى مرتبطة بالبنية الاقتصادية الروسية.
كما أن الناقلات التجارية قد تكون أقل استعدادًا لمواجهة المسيّرات مقارنة بالمنشآت العسكرية التي عززت روسيا دفاعاتها حولها بعد سنوات من الهجمات الأوكرانية، وهو ما يجعل أسطول الظل هدفًا أكثر عرضة للضغط.
سباق تسلح يمتد إلى البحر الأسود
وتعكس التحصينات الجديدة تحولًا في طبيعة التهديد الذي تواجهه السفن الروسية. فبعد استخدام أوكرانيا زوارق بحرية مسيّرة لاستهداف ناقلات روسية، باتت إجراءات الحماية تشير إلى مخاوف متزايدة من المسيّرات الجوية، بما فيها الطائرات التي يمكن توجيهها بدقة نحو أجزاء محددة من السفينة.
وكان قائد قوات الطائرات المسيّرة الأوكرانية قد أعلن في سبتمبر أن القوات الأوكرانية عطلت 300 سفينة تابعة لأسطول الظل منذ يوليو، إلا أن هذا الرقم لم يتسن التحقق منه بصورة مستقلة، ما يستدعي التعامل معه باعتباره ادعاءً أوكرانيًا.
وفي المقابل، كثفت روسيا هجماتها على الموانئ والسفن الأوكرانية المستخدمة في تصدير الحبوب، لتتحول حركة التجارة البحرية إلى جزء مباشر من المواجهة بين البلدين.
ولا تقتصر تداعيات التصعيد على موسكو وكييف، إذ يثير نشاط المسيّرات في البحر الأسود مخاوف الدول المطلة عليه، خصوصًا بعد حوادث قالت سلطات في رومانيا وبلغاريا إنها ارتبطت بمسيرات روسية، وأثارت قلقًا بشأن سلامة الملاحة قرب المياه الإقليمية للدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.

