يشهد ملف حقوق الإنسان في إيران تصعيدًا خطيرًا وغير مسبوق، تتصدره آلة الإعدامات المستمرة التي تنفذها السلطات القضائية عبر ما تُعرف بـ”محاكم الثورة”، في ظل تجاهل تام للمواثيق والمعايير الدولية.
ولم تقتصر سياسة القمع الممنهج على تنفيذ أحكام الإعدام الجماعية والفردية بحق المعارضين والنشطاء فحسب، بل امتدت لتشمل تكميم الأبواق الثقافية والفنية وملاحقة الأصوات الحرة؛ الأمر الذي وثقته التقارير الحقوقية والأممية بالأرقام والتواريخ الدقيقة.
وتؤكد هذه الانتهاكات المتصاعدة عمق الأزمة الحقوقية في البلاد، وسط دعوات دولية ملحة لفرض رقابة صارمة على سجل طهران الأسود ووقف نزيف الدماء المستمر.
تصاعد مقلق لأحكام الإعدام في إيران: أرقام صادمة وتوثيق أممي دقيق
وتؤكد التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية والأممية، أن النظام الإيراني يواصل استخدام عقوبة الإعدام بشكل واسع وممنهج كسلاح رئيسي لترهيب المجتمع وقمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة.
ووفقًا للبيانات الموثقة الصادرة عن المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فقد شهدت البلاد خلال العامين الماضيين ارتفاعًا صاروخيًا في أعداد الملقى عليهم أحكام الإعدام، حيث تجاوزت الأرقام آلاف التنفيذات السنوية، غالبيتها العظمى تُنفذ سرًا ودون توفير محاكمات عادلة تضمن أبسط حقوق الدفاع للمتهمين.
وتشير التقارير إلى أن هذه الإعدامات لا تستهدف الجنائيين فحسب، بل تركز بشكل متعمد على النشطاء السياسيين، وأبناء الأقليات العرقية، والمتظاهرين الذين شاركوا في الانتفاضات الشعبية المناهضة للقمع الحكومي، مما يعكس نهجًا دموياً في إدارة الدولة.
قمع الحريات الفنية وتكميم الأبواق: تفاصيل الحكم القاسي ضد المخرج جعفر بناهي
وفي إطار سياسة التضييق المستمرة على الوجوه الثقافية والفنية المعارضة، قضت محكمة الثورة في العاصمة الإيرانية طهران بسجن المخرج السينمائي الإيراني البارز جعفر بناهي لمدة خمس سنوات وشهرًا واحدًا، إلى جانب مصادرة كافة أمواله المنقولة وغير المنقولة.
وأوضح محاميه مصطفى نيلي، في تصريحات صحفية، أن المحكمة فرضت أيضًا حظرًا لمدة عامين على نشاط المخرج عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومنعًا من السفر للمدة نفسها، دون توضيح دقيق للاتهامات المساقة ضده.
ويأتي هذا الحكم الجائر بعد أشهر قليلة من فوز بناهي البالغ من العمر 66 عامًا بالسعفة الذهبية في مهرجان «كان» السينمائي عن فيلمه «حادث بسيط» الذي صوّره سرًا داخل البلاد، وتنديده العلني في يناير بالقمع الدموي الذي أسفر عن مقتل آلاف المتظاهرين السلميين.
السجل الأسود للاعتقالات التعسفية: محطات قاسية في حياة المبدعين والمعارضين
ولا يُعد استهداف جعفر بناهي حالة استثنائية، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات الممنهجة التي تمارسها الأجهزة الأمنية والقضائية الإيرانية ضد المثقفين والسينما المستقلة.
فقد سبق أن تعرض المخرج للاعتقال والسجن مرتين؛ الأولى عام 2010 لمدة 86 يومًا، والثانية لمدة سبعة أشهر بين عامي 2022 و2023. ولم يُفرج عنه في المرة الأخيرة إلا بعد خوضه إضرابًا عن الطعام، أماط اللثام عن قسوة ظروف الاعتقال.
ويكشف التتبع الحقوقي لهذه القضايا عن تكرار استخدام التهم الفضفاضة مثل ممارسة “أنشطة دعائية ضد الدولة” لإسكات أي صوت ينتقد السياسات القمعية.
وتؤكد البيانات الرسمية والمصادر الموثقة، أن عشرات الصحفيين والفنانين والمحامين ما زالوا يواجهون أحكامًا قاسية وملاحقات مستمرة لمجرد ممارستهم لحرية التعبير والدفاع عن حقوق الإنسان.
الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني: غياب المحاكمات العادلة والإفلات من العقاب
وتُجمع التقارير الحقوقية الصادرة عن منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش على أن المنظومة القضائية في إيران تفتقر تمامًا إلى استقلال القضاء وتخضع لهيمنة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.
وتفتقر المحاكم الثورية الإيرانية إلى المعايير الأساسية للمحاكمات العادلة، حيث تُعقد الجلسات في سرية تامة، وتُنتزع الاعترافات بالقوة وتحت التعذيب الممنهج، لتُبنى عليها أحكام الإعدام والسجن المطول.
وتشدد المفوضية السامية لحقوق الإنسان على أن استمرار هذه الانتهاكات الجسيمة يشكل جريمة منظمة ضد الإنسانية، وتستوجب تحركًا دوليًا عاجلاً لفرض عقوبات قوية ومحاسبة المسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم، وضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب تحت أي ذريعة سياسية أو أمنية.
وتؤكد المنظمات الحقوقية أن الصمت الدولي يغذي آلة القمع ويزيد من شراسة السلطات في تصفية معارضيها، وتبرز الحاجة الملحة لتشكيل لجان تحقيق مستقلة لتوثيق كافة انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، وفتح قنوات دعم فاعل ومستمر للمجتمع المدني الإيراني وعائلات الضحايا، باعتبار أن حماية الحق في الحياة وحرية التعبير هما الأساس لإرساء أي مستقبل ديمقراطي وعادل في المنطقة.

