تتفاقم المأساة الإنسانية والأمنية في الأقاليم والولايات السودانية المختلفة، لتسلط الضوء على مستوى غير مسبوق من الدمار والاستهداف المباشر للمدنيين الأبرياء، في ظل اعتماد القيادة العسكرية برئاسة عبد الفتاح البرهان على سلاح الجو والطائرات المسيّرة والقتالية لدك الأحياء السكنية والتجمعات الأهلية.
وفي تقرير تحليلي موسع يستند إلى البيانات والتقارير الموثقة الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وما صرّح به المفوض السامي فولكر تورك لعام 2026، تتكشف التفاصيل المرعبة للغارات العشوائية التي أكلت الأخضر واليابس في كردفان ودارفور والنيل الأزرق والخرطوم.
وتؤكد المعطيات الرقمية الميدانية أن استئناف وتكثيف القصف الجوي من قِبل القوات المسلحة أدى إلى سفك دماء مئات المواطنين، وتدمير البنى التحتية الحيوية من محطات كهرباء ومياه ومستشفيات، مما يكشف عن استراتيجية ممنهجة للتهجير القسري وإفراغ المدن من قاطنيها تحت شعارات مواجهة الخصوم.
كواليس تقرير المفوض السامي لعام 2026.. أرقام وتواريخ توثق مقتل وإصابة المئات في غارات أكتوبر
تُظهر المستجدات والوثائق الرسمية الصادرة مباشرة عن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في 23 أكتوبر 2026، إدانة أممية قاطعة للتصعيد العسكري الجوي غير المسبوق الذي ينفذه الجيش السوداني عبر مختلف الولايات.
وأفادت البيانات الإحصائية الموثقة الصادرة عن المفوضية بأنه خلال الأسابيع الثلاثة الأولى فقط من شهر أكتوبر 2026، تم توثيق مقتل ما لا يقل عن 306 مدنيين وإصابة المئات بجروح بالغة وعاهات مستديمة جراء الضربات الجوية المكثفة.
وأكد البيان أن هذه الهجمات الموجّهة دمّرت المنازل والأسواق الشعبية المكتظة ومخيمات اللجوء، مشددًا على أن الاعتماد المكثف للقيادة العسكرية على القصف الجوي والمسيّرات بات يشكل المسبّب الأكبر والأنكى لوفيات المدنيين في البلاد خلال العام الحالي، مما يفاقم أزمة الكارثة الإنسانية ويدفع بموجات نزوح جديدة لا تتوقف.
استهداف مناجم الذهب ومخيمات النازحين.. ضرب الأعيان الاقتصادية والمدنية تحت ذريعة الذرائع العسكرية
على الصعيد الميداني والحقوقي، يوثّق التقرير الأممي توجهًا خطيرًا للقوات المسلحة السودانية يستهدف تجمعات الفارين من ويلات المعارك والعاملين في القطاعات التقليدية. ففي الفترة الممتدة بين 6 و10 أكتوبر 2026، شن سلاح الجو ضربات بالمسيّرات وغارات جوية استهدفت ملاجئ ومراكز إيواء النازحين في منطقتي غبيش والنهود بولاية غرب كردفان، مما أسفر عن مقتل 25 مدنيًا وإصابة 31 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال.
وفي 9 أكتوبر، طالت غارة عسكرية تجمعات للنازحين والعمال المشتغلين بالتعدين التقليدي عن الذهب في منطقة أبو شندي بولاية النيل الأزرق، مما أودى بحياة 31 شخصًا على الأقل. وأوضحت المفوضية الأممية أن القصف العشوائي لمواقع التعدين والتجمعات الأهلية يمثل خرقًا صريحًا لقوانين الحرب والعدالة، مؤكدة أن الأهمية الاقتصادية لأي موقع لا تبرر مطلقًا تحويله إلى هدف عسكري مشبوه يزهق أرواح الأبرياء.
قصف الشاحنات والمستشفيات.. تكتيك الضربات المزدوجة وتقويض المقومات الأساسية للحياة
تستمر التكتيكات الدموية التي تعتمدها القوات المسلحة لتطال وسائل النقل والمنشآت الصحية عبر استراتيجية القصف المكرر والمزدوج. ففي 18 أكتوبر 2026، تعرضت شاحنة نقل مدنية لقصف جوي مكرر في منطقة الدباب بغرب كردفان، مما أسفر عن مجزرة مروعة راح ضحيتها ما لا يقل عن 139 قتيلًا وعشرات الجرحى.
وتكرر القصف المنتظم للأسواق الشعبية المأهولة في «الدبة» بشمال دارفور، و«نيالا» بجنوب دارفور، و«العدية» بغرب كردفان. وفي السياق ذاته، طال القصف الجوي مستشفى «أم درفاء» بولاية النيل الأزرق في 11 أكتوبر، مما أدى إلى إصابة كوادر طبية وخروج المستشفى بالكامل عن الخدمة، حارمًا آلاف المرضى والجرحى من الرعاية الصحية الطارئة، وهو ما ينذر بانهيار تام لما تبقى من أجهزة الخدمة الإنسانية.

