في قلب اليمن المكلوم، تجسد مدينة تعز المأساة الإنسانية الأكثر قسوة واستمرارًا في التاريخ الحديث، حيث تحولت المدينة التي كانت عاصمة للثقافة والسلام إلى سجن مفتوح يضم أكثر من 4 ملايين إنسان، بينهم المواطنون الأصليون ومئات الآلاف من النازحين الذين فروا من لهيب المعارك في المديريات المجاورة ليجدوا أنفسهم محاصرين داخل مربعات سكنية ضيقة ومجردين من أدنى مقومات الحياة البشرية الأساسية.
ولم يكن هذا الواقع المزرِي وليد مصادفة عابرة أو هامشًا في خطوط المواجهة العسكرية الميدانية، بل جاء نتيجة استراتيجية عقاب جماعي ممنهجة تفرضها المليشيات الحوثية منذ سنوات طويلة، تعتمد على خنق شريان الحياة والإغلاق التام لكافة المنافذ والممرات الرئيسية، في واحدة من أبشع صور الانتهاكات الجسيمة التي تعاقب عليها القوانين الدولية والأعراف الإنسانية.
إن الإصرار الحوثي المتواصل على إحكام هذا الحصار الخانق يتجاوز حدود التضييق العسكري التقليدي ليصل إلى ممارسة سياسة التجويع المتعمد والعقاب الجماعي؛ حيث تمنع المليشيات الحوثية بشكل صارم وشامل دخول السلع الغذائية الأساسية، والأدوية الطبية المنقذة للحياة، والشحنات النفطية والوقود المخصص لتشغيل المشافي الحكومية والخاصة ومراكز الغسيل الكلوي ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، مما أحال تفاصيل الحياة اليومية لسكان تعز إلى كابوس مظلم ومستمر يفتقر لأدنى مقومات الرعاية الصحية والأمن الغذائي.
شهادات الميدان: سلاح العطش والجوع والغلاء الطاحن في أحياء تعز
وطبقًا للمصادر الميدانية ذاتها، فإن أسعار أسطوانة غاز الطهي في الأسواق الموازية والسوداء التي فرضها الحصار الحوثي الجائر تجاوزت حاجز 45 ألف ريال يمني (ما يعادل قرابة 30 دولارًا أمريكيًا)، وهي مبالغ خيالية تعجز غالبية الأسر المحرومة من أجورها عن توفيرها، ليلجأ الأهالي للتحطيب البدائي وتجميع المخلفات لتأمين وجبات طعامهم الشحيحة.
تحذيرات رسمية ومناشدات لمجلس الأمن: حصار تعز ينذر بكارثة شاملة
أمام هذا التردي الإنساني المريع، كثفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية عبر رسائل رسمية عاجلة وجهتها وزارة الخارجية اليمنية إلى الأمين العام للأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن الدولي، داعية إلى اتخاذ خطوات دولية حازمة وفعالة لفك الحصار الخانق وفرض الفتح الفوري والكامل لكافة منافذ مدينة تعز أمام حركة المدنيين وسلاسل الإمداد الغذائي والإغاثي دون عوائق أو شروط مجحفة.
وحذرت الخارجية اليمنية في خطاباتها الرسمية من أن الحصار الممتد يهدد بكارثة إنسانية وشيكة تتسع شرارتها لطول 4 ملايين محاصر ونازح، مطالبة بضغط دولي مباشر ومباشرة آليات رقابة أممية لتوثيق الجرائم الحوثية وضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الانتهاكات الجسيمة من العقاب الرادع.
وشددت الرسائل الرسمية على أن تأمين الوصول المستدام للغذاء والدواء والمياه والوقود يعد حقاً أصيلاً للمدنيين لا يخضع للمناورات أو الابتزاز السياسيين، مؤكدة أن المجتمع الدولي مطالب بوقف التعامل الشكلي مع ملف تعز والتحرك بقرارات ملزمة تعيد فتح الطرقات وتنهي معاناة أكبر كتلة سكانية محاصرة في اليمن.
تقارير أممية وحقوقية موثقة: أرقام رسمية تكشف حجم الانتهاكات الحوثية
تستند التحذيرات الرسمية والشهادات الميدانية إلى بنك معلومات ضخم من البيانات والأرقام الموثقة الصادرة عن مؤسسات حقوقية وأممية بارزة بين عامي 2024 و2026.
ووفقًا للتقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) والتحديثات الدورية الصادرة عن فريق الخبراء البارزين التابع لمجلس الأمن الدولي، فإن الحصار الحوثي الممتد على تعز تسبب في حرمان أكثر من 70% من سكان المحافظة من الحصول على مياه الشرب النظيفة بشكل منتظم، وأدى إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون سن الخمسة أعوام بنسبة قفزت إلى 48%.
كما توثق التقارير الصادرة عن اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان ومنظمات دولية مثل “هيومان رايتس ووتش” والمركز الأمريكي للعدالة، أن الاستهداف الحوثي المباشر للأحياء السكنية بتعز عبر القصف المدفعي والقنص المباشر أسفر عن مقتل وإصابة أكثر من 17 ألف مدني منذ بدء الحصار، تشكل النساء والأطفال أكثر من 45% من إجمالي ضحاياها.
بالإضافة إلى ذلك، وثقت التقارير الحقوقية قيام المليشيات بزراعة مئات الآلاف من الألغام الفردية والمضادة للمركبات في الطرقات والمزارع المحيطة بالمدينة، مما تسبب في شلل القطاع الزراعي ومصرع وإصابة أكثر من 3200 مدني، ناهيك عن تعطيل أكثر من 80% من المنشآت الصحية بالمحافظة وخروجها عن الخدمة نتيجة منع وصول الأدوية وقطع خطوط الطاقة المشغلة.
مسؤولية المجتمع الدولي وحتمية إنهاء سياسة الإفلات من العقاب
إن الحصار المطبق الذي تفرضه المليشيات الحوثية على مدينة تعز ليس مجرد تكتيك عسكري في صراع مسلّح، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان وجريمة ضد الإنسانية تخالف صراحة اتفاقيات جنيف الأربع والمادة 8 من ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
إن صمت القوى الدولية وعدم تفعيل القرارات الأممية الملزمة، مثل القرار 2216، أسهما في منح المليشيات الحوثية الضوء الأخضر لمواصلة خنق المدنيين واستخدام سلاح التجويع والترهيب كأداة للمساومة السياسية والحرب النفسية الممتدة.

