شهدت المحافظات السورية خلال الأيام والأسابيع الماضية موجة متصاعدة وغير مسبوقة من الحوادث الأمنية المتلاحقة التي اتخذت طابعًا منظمًا ومركبًا، واستهدفت بشكل مباشر شرايين الحياة الخدمية والاقتصادية للبنية التحتية الوطنية في وقت حرج من تاريخ البلاد.
فمن استهداف حافلة نقل الموظفين التابعة لشركة الكهرباء على جسر مصياف في محافظة حمص، والذي أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الكوادر الفنية، إلى التفجير الممنهج الذي طال خط الغاز الرئيسي المغذي لمحطة تشرين الحرارية بريف دمشق وأدى لتعطيل ثلاث محطات توليد استراتيجية وامتدت آثاره الكارثية لتشمل شبكات مياه الشرب، تتكشف أبعاد استراتيجية خبيثة تعتمدها الميليشيات والتنظيمات المسلحة لإغراق البلاد في دوامة جديدة من الفوضى.
إن تقارب الفواصل الزمنية بين هذه العمليات والتفجيرات الأخرى كاستهداف خطوط الغاز شرق البلاد ومحاولات الاغتيال الموجهة ضد ضباط المؤسسة العسكرية في الصنمين بريف درعا يؤكد أننا لسنا أمام حوادث فردية عابرة، بل أمام حملة هجومية محسوبة تهدف إلى عرقلة جهود الاستقرار، وإجهاض مساعي التعافي الاقتصادي، وحرمان المواطنين من أدنى المقومات الخدمية الأساسية.
ضرب المنشآت الحيوية: خنق الاقتصاد وتعطيل ممرات الطاقة
وتأتي هذه الهجمات التخريبية المتلاحقة في توقيت جيوسياسي واقتصادي في غاية الحساسية، حيث تسعى السلطات السورية إلى التغلب على أزمات معيشية طاحنة، وبسط سيادة القانون، وتأمين بيئة استثمارية جاذبة لإعادة الإعمار، إلى جانب تفعيل موقع سوريا الجغرافي كمركز إقليمي وممر استراتيجي لربط شبكات الطاقة بين الدول العربية وتركيا وصولاً إلى الأسواق الأوروبية، خصوصاً في ظل اضطراب حركة الملاحة في الممرات البحرية الإقليمية مثل مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، يرى الخبراء أن التركيز الميداني للميليشيات على البنية التحتية للطاقة يحمل أبعاداً نفسية وأمنية خبيثة، تهدف بالأساس إلى زرع حالة من اليأس لدى المواطنين، وإبراز مؤسسات الدولة بمظهر العاجز عن حماية المنشآت الوطنية والمرافق الخدمية خارج نطاق المدن الكبرى.
وأوضحوا أن قراءة طبيعة الأهداف الاستراتيجية المضروبة تشير بوضوح إلى تورط شبكة مصالح تقاطعت أهدافها عند إبقاء سوريا ضعيفة ومقسمة أمنيًا، وفي مقدمتها الخلايا الناشطة لتنظيم “داعش” التي تسعى لإثبات وجودها الميداني وإعادة بناء هياكلها التنظيمية عبر استغلال الفراغات الأمنية.
وإلى جانب ذلك، تنشط شبكات المصالح المالية والعسكرية المرتبطة ببقايا النظام السابق والتي تمتلك المعرفة الفنية العميقة بخارطة المنشآت الحيوية وأساليب الاختراق الأمني، متكئة على ثروات ضخمة جمعتها خلال سنوات الصراع لتغذية الخلايا المسلحة الصغيرة واغتيال الكوادر القيادية.
كما تبرز أدوار أطراف إقليمية وخارجية، مثل التحركات الإسرائيلية الراغبة في ترسيخ العجز السوري، والنفوذ المتبقي الميليشياوي الإيراني في بعض المناطق الساحلية، فضلاً عن شبكات تهريب السلاح والمخدرات عبر الحدود مع تركيا والعراق والأردن ولبنان، والتي تجد في سيادة القانون تهديدًا مباشرًا لأرباحها غير المشروعة.
الأرقام والتقارير الأممية: كلفة التخريب على حقوق الإنسان والمعيشة
وتتطابق هذه القراءة الميدانية للحوادث مع ما وثقته التقارير الحقوقية والأممية الصادرة بجدول زمني محدد خلال الفترة الأخيرة حول الكلفة الباهظة للتصعيد المليشياوي على الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في سوريا.
فقد أكد تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة، الصادر في مراجعته الدورية الموثقة لعام 2024، أن الاستهداف المتعمد وغير المباشر للمنشآت الكهرومائية ومحطات الغاز والكهرباء حرم أكثر من 6 ملايين مواطن سوري من الحصول المباشر على مياه الشرب النظيفة والكهرباء لفترات تتجاوز 20 ساعة يوميًا؛ مما أدى إلى تفاقم الأزمات الصحية وتراجع مستويات السلامة العامة.
كما بينت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في بياناتها الحديثة، أن الهجمات التي تنفذها الميليشيات والخلايا الإرهابية المسلحة أدت إلى ارتفاع معدلات النزوح الداخلي القسري وزيادة مستويات الفقر إلى أرقام قياسية تجاوزت 90% بين السكان.
وفي السياق ذاته، كشف التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية لعام 2024/2025 أن جرائم الميليشيات والتشكيلات المسلحة الخارجة عن القانون تتسبب في مقتل وإصابة المئات من المدنيين والعمال في المرفق العام سنويًا، إلى جانب عرقلة وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المناطق النائية.
وأوضح التقرير الصادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان مؤخرًا، أن الهجمات التخريبية التي طالت قطاعات الطاقة والاتصالات خلال العام الحالي وحده تسببت في خسائر مالية واقتصادية مباشرة تتجاوز 1.8 مليار دولار أمريكي، مما يعطل مشاريع التنمية ويضاعف من معدلات البطالة بين الشباب لتتجاوز حاجز 40% في بعض المحافظات المهمشة، وهو ما يوفر بيئة خصبة تنشط فيها محاولات التجنيد الاستغلالي من قبل الجماعات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة.
المسارات الخمسة لمواجهة الانتهاكات وبناء سوريا الجديدة
ولمواجهة هذا الواقع الأمني المعقد وتفكيك أخطار الميليشيات، يشدد الخبير العسكري عصمت العبسي على أن الحل الشامل يستلزم تطبيق خمسة مسارات متزامنة ومترابطة لا تدع مجالاً للفراغ التنفيذي.
يتلخص المسار الأول في ضرورة استكمال حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية للدولة دون استثناء، بينما يركز المسار الثاني على بناء جهاز استخباري وأمني كفء ونظيف يعمل وفق آليات تنسيق متكاملة لملاحقة الخلايا النائمة واختراق الشبكات التخريبية.
ويمثل المسار الثالث معالجة الأزمة الاقتصادية التي تغذي دوامة العنف، من خلال إطلاق مشاريع صغيرة ومتوسطة في المناطق الأكثر احتياجًا، وتوفير فرص عمل مؤقتة عبر برامج الأشغال العامة، وضمان وصول الخدمات الأساسية إلى الأرياف لمنع الميليشيات من استغلال الفقر والفراغ التنموي لتجنيد الشباب.
أما المسار الرابع، فيتمثل في إطلاق حوار وطني شامل يضع إطارًا دستوريًا جامعًا وصيغة للامركزية الإدارية بلاحق صلاحيات مالية وتنفيذية واضحة للمحافظات؛ مما يطمئن جميع المكونات الاجتماعية والمناطقية من الدروز والعلويين والسنة والأكراد، ويحول الخوف على الهوية إلى مشاركة فعالة في بناء الدولة.
ويستند المسار الخامس والأخير إلى اعتماد الشفافية المطلقة والتواصل المباشر مع الرأي العام السوري حول الحوادث والانفجارات الأمنية دون مواربة؛ حيث إن كشف الحقائق وتقديم المفهوم المهني الواضح يصنع ثقة مجتمعية صلبة ويقطع الطريق أمام الشائعات ونظريات المؤامرة.
وفي هذا الصدد، يؤكد الباحثون أن تقاطع التحديات الأمنية الخارجية كالمواجهات بين حزب الله والميليشيات الإيرانية في العراق وتأثيراتها العابرة للحدود، مع انتشار السلاح العشوائي والرافضين للتغيير السياسي في الداخل، يتطلب معالجة حاسمة وسريعة.
إن بناء سوريا القوية والمتماسكة يقتضي قرارات ميدانية وسياسية شجاعة قادرة على إنهاء وجود الميليشيات، وتثبيت الأمن الاستراتيجي، وحماية مقدرات الشعب السوري ليتمكن من استعادة دوره التنموي والإقليمي.

