ذات صلة

جمع

من انقطاع الكهرباء إلى نقص الأدوية.. أزمات متشابكة تضغط على تونس

تستمر الأزمات المركبة في إلقاء ظلالها الثقيلة على المشهد...

انفجارات خطوط الغاز وهجوم مصياف.. شبح الفوضى يعود إلى المشهد السوري

شهدت المحافظات السورية خلال الأيام والأسابيع الماضية موجة متصاعدة...

50 عامًا من السرية.. لماذا لا نعرف أسماء مرشحي نوبل في الأدب؟

عندما تعلن الأكاديمية السويدية اسم الفائز بجائزة نوبل في...

ليبيا أمام مفترق طرق.. هل يفتح التحرك الجديد باب الانتخابات أم يضاعف الانقسام؟

تخوض ليبيا واحدة من أكثر مراحل تاريخها الحديث حرجًا...

من انقطاع الكهرباء إلى نقص الأدوية.. أزمات متشابكة تضغط على تونس

تستمر الأزمات المركبة في إلقاء ظلالها الثقيلة على المشهد التونسي العام، حيث تقف البلاد عند مفترق طرق حرج يتقاطع فيه العجز المالي والضغط الاقتصادي الحاد مع تراجع مستوى الخدمات الأساسية والعديد من التحديات الحقوقية والأمنية.

وفي الوقت الذي يعاني فيه المواطن التونسي من تداعيات الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، ونقص الأدوية الأساسية في المستشفيات والاجتماعات الصيدلانية، ترصد التقارير الحقوقية والدولية مؤشرات نفعية مقلقة تتعلق بالوضع الحقوقي والأمني وممارسات أجهزة تنفيذ القانون أو المجموعات الخارجة عن القانون.

إن هذا الواقع المعقد يتطلب تسليط الضوء على كافة جوانب الأزمة، بدءًا من المعاناة اليومية في المرفق العام وصولاً إلى القضايا الحقوقية والتنموية التي تشغل بال الرأي العام الداخلي والدولي على حد سواء.

أزمات معيشية طاحنة وشلل متكرر في القطاعات الخدمية

وشهدت تونس خلال الأيام والشهور الماضية ضغوطًا غير مسبوقة على قطاع الكهرباء والطاقة، وتحديدًا خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس، بالتزامن مع موجة حر قياسية تجاوزت فيها درجات الحرارة حاجز 45 درجة مئوية في عدة مناطق حيوية؛ وهو ما أدى إلى اضطرابات واسعة في تزويد التيار الكهربائي وتسبب في خسائر اقتصادية مباشرة للمهنيين وللقطاعات الحيوية والتجارية.

ولم تقتصر الأزمة على شلل التزويد بالطاقة الكهربائية فحسب، بل امتدت لتشمل قطاع الصحة والدواء، حيث تواجه تونس أزمة أدوية حادة ناتجة عن شح السيولة المالية وتراكم الديون المستحقة لصالح الموردين والأجانب لدى الصيدلية المركزية الحكومية؛ مما أدى إلى فقدان عشرات الأدوية الحيوية وأدوية الأمراض المزمنة من الأسواق والمستشفيات، وهو ما أثار موجة غضب عارم بين المواطنين والمنظمات الإنسانية التي حذرت من ارتدادات هذه الأزمة على صحة وحياة الفئات الضعيفة.

وأمام هذه التحديات المتزايدة، تسعى السلطات التونسية إلى تسريع الخطوات نحو الانفتاح على حلول ومبادرات تمويلية جديدة لدعم الأفراد والشركات الصغرى والمتوسطة، حيث تم الإعلان عن إطلاق آليات جديدة مثل “القروض على الشرف” لتوفير تمويلات دون فوائد لدعم المشاريع الصغرى والأفراد ومساعدتهم على الصمود أمام الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

غير أن مراقبين اقتصاديين يرون أن هذه الحلول الترقيعية لا يمكن أن تعالج المشاكل الهيكلية العميقة التي يعاني منها الاقتصاد التونسي دون إصلاحات شاملة ومباشرة للمؤسسات العمومية وتوفير التمويلات اللازمة لتغطية العجز التراكمي في ميزانية الدولة.

تحديات حقوق الإنسان والواقع الأمني: أرقام وتقارير أممية

على الجانب الحقوقي والأمني، رصدت العديد من التقارير الأممية والحقوقية المستقلة، الصادرة بجدول زمني محدد خلال السنوات والأشهر الأخيرة، ارتفاعًا في وثيرة الانتهاكات والتجاوزات الأمنية التي تنفذها أجهزة إنفاذ القانون أو التشكيلات والميليشيات والمجموعات غير الرسمية والمساهمة في تعكير صفو الأوضاع الأمنية والمجتمعية.

فقد أكد التقرير الصادر عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في أحدث مراجعاته الدورية، أن هناك تراجعًا ملحوظًا في مساحات الحقوق والحريات العامة، مشيرًا إلى توثيق العشرات من حالات الاحتجاز التعسفي والملاحقات القضائية المشددة ضد نشطاء ومعارضين وصحفيين.

كما بينت مفوضية الأمم المتحدة في تقاريرها الصادرة خلال العام الحالي، أن الأجهزة الأمنية والمجموعات غير النظامية المسلحة أو شبه العسكرية العاملة في بعض مناطق التوتر والتخوم الحدودية تورطت في اعتداءات وتجاوزات تطال المهاجرين واللاجئين والمواطنين على حد سواء.

وفي السياق ذاته، كشف التقرير السنوي الصادر عن منظمة العفو الدولية لعام 2024/2025، عن تسجيل زيادة بنسبة تتجاوز 35% في شكاوى التعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز التونسية مقارنة بالأعوام السابقة.

كما أوضح تقرير المنظمة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان الصادر مؤخرًا، أن غياب الرقابة الفعالة على التشكيلات الأمنية الميدانية الجماعية أسفر عن تسجيل أكثر من 120 حالة انتهاك جسيم للحقوق الفردية والجماعية خلال العام الماضي وحده، بما في ذلك التضييق على التظاهر السلمي وتفكيك التجمعات بالقوة المفرطة.

وتؤكد هذه الأرقام والبيانات الصادرة عن هيئات موثوقة أن تونس تعيش اختبارًا حقيقيًا لمؤسساتها القضائية والحقوقية في مواجهة تجاوزات الأجهزة والميليشيات والجهات التي تتجاوز حدود القانون والتزامات البلاد الدولية.

مسار الانتقال الطاقي: بين الاستجابة للأزمات ورهانات السيادة

في ظل الانقطاعات الكهربائية والأزمات الهيكلية المتلاحقة، تسعى السلطات التونسية للبحث عن مخرج من الأزمة العميقة عبر تسريع الانتقال الطاقي والاعتماد على الطاقات المتجددة المتولدة أساسًا من الشمس والرياح.

وفي هذا الصدد، قال كاتب الدولة المكلف بالانتقال الطاقي بوزارة الصناعة، وائل شوشان، في كلمته خلال افتتاح الصالون الدولي للانتقال الطاقي بالعاصمة تونس: إن صيف هذا العام أظهر حجم التحديات التي تواجه المنظومة الكهربائية الوطنية، مما يفرض المرور إلى مرحلة جديدة عنوانها التسريع على جميع الجبهات في الوقت نفسه وفق تقديره.

وأكد شوشان، أن الانتقال الطاقي أصبح محل إجماع وطني، وأن التحدي اليوم لم يعد يكمن في التخطيط، بل في سرعة التنفيذ، مشيرًا إلى أن التطورات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة والضغوط على سلاسل الإمداد أعادت الأمن الطاقي إلى صدارة الأولويات، ومشددًا على أن الطاقة في جوهرها مسألة سيادة وأمن اقتصادي وتنافسية شاملة.

وكشف المسؤول التونسي، أن البلاد لا تنطلق من الصفر في مسارها، حيث ارتفعت حصة الطاقات المتجددة في مزيج إنتاج الكهرباء من 4% قبل عامين إلى حوالي 9% اليوم، وهو ما يؤكد أن المسار بدأ تؤتي أُكله، لكنه يبرز أيضًا حجم العمل الكبير المتبقي.

وأوضح، أن المشاريع المطروحة اليوم تشمل الطاقات المتجددة الكبرى، ونظام التراخيص والإنتاج الذاتي، وتطوير الشبكة الكهربائية الوطنية، ومشاريع التخزين والنجاعة الطاقية، والربط الكهربائي الدولي، بهدف بناء منظومة أكثر قوة ومرونة واستجابة للتغيرات المناخية والاقتصادية.

استثمارات الطاقات المتجددة وفرص الخروج من العتمة

من جهته، صرح رئيس الغرفة الوطنية للطاقة الفولطوضوئية، علي الكنزاري، لوسائل الإعلام، بأن تونس مطالبة اليوم بتسريع البحث عن حلول عملية لتفادي الانقطاعات الكهربائية المتكررة، في ظل التأخير المسجل في إنجاز بعض محطات الإنتاج التي تعتمد على الغاز الطبيعي، وما تتطلبه هذه المشاريع من استثمارات مالية ضخمة.

وأكد الكنزاري، أن الغاز الطبيعي يمثل أكثر من 97% من إنتاج الكهرباء الحالي في تونس، في حين يتم استيراد قرابة 70% من احتياجات الغاز الوطنية، معتبرًا أن تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة أصبح أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل لحماية الاقتصاد الوطني.

وأفاد بأن تونس تستهدف بلوغ نسبة 35% من الطاقات المتجددة ضمن مزيج الكهرباء بحلول عام 2030، و50% بحلول عام 2035، مع طموح مشروع للوصول مستقبلاً إلى إنتاج كهرباء قائم بالكامل على الطاقات المتجددة.

وأشار إلى أن الطاقات المتجددة، وخاصة الطاقة الفولطوضوئية، يمكن أن توفر حلولاً سريعة ومجدية، لا سيما من خلال تطوير محطات كبرى مرفوقة بأنظمة تخزين حديثة.

كما كشف عن مقترح لإطلاق برنامج تحت اسم “المواطنة الطاقية”، يهدف إلى تمكين مليون عائلة تونسية من منظومات الطاقة الشمسية مجانًا، مشددًا على أهمية اعتماد البطاريات لتخزين الطاقة الشمسية المنتجة خلال النهار واستعمالها خلال ساعات الذروة الليلية لتخفيف الضغط على الشبكة وتقليص اللجوء إلى تخفيف الأحمال.