ذات صلة

جمع

الخرطوم تحت الأنقاض.. جرائم ودمار وانهيار للخدمات في ظل سياسات البرهان

تحت وطأة الشعارات البرّاقة والتصريحات الرسمية التي تبثها قيادة...

خسائر الإغلاق في ليبيا.. ماذا حدث لخط أنابيب الشرارة والزاوية؟

يواجه الاقتصاد الليبي تحديات مصيرية هائلة في ظل استمرار...

قروض للأفراد والمشروعات دون فوائد.. ما تفاصيل التمويل الجديد في تونس؟

تخوض الجمهورية التونسية معركة مصيرية وحاسمة على جبهتين متوازيتين؛...

سلاح حزب الله ومستقبل الجنوب.. لماذا عاد القرار 1701 إلى الواجهة؟

يقف لبنان اليوم على حافة منزلق خطير ومفصل تاريخي...

الخرطوم تحت الأنقاض.. جرائم ودمار وانهيار للخدمات في ظل سياسات البرهان

تحت وطأة الشعارات البرّاقة والتصريحات الرسمية التي تبثها قيادة الجيش السوداني بشأن استعادة السيطرة على العاصمة، تتكشف على الأرض واقعية أليمة تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يواجهها ملايين المدنيين يوميًا.

فبعد فرار أكثر من 4 ملايين شخص من الخرطوم إثر اندلاع الحرب الطاحنة في أبريل2023، دفع الشوق والأمل بنحو 2.7 مليون مواطن للعودة إلى ديارهم عقب سيطرة الجيش على أجزاء واسعة من العاصمة، ليصدموا بمدينة مهدومة المعالم تفتقر لأدنى مقومات الحياة البشريّة.

وبدلًا من أن تُسارع السلطات العسكرية إلى تقديم الإغاثة وتأهيل الخدمات، تحولت عودة السكان إلى ورقة دعاية سياسية يُراد منها تسويق “نصر شكلي” على حساب دماء المواطنين ومعاناتهم الشديدة.

السراب السياسي والواقع الميداني: كيف تحولت عودة سكان الخرطوم إلى فخ للخدمات المعدومة؟

وتعكس مشاهد العاصمة السودانية الخرطوم اليوم حجمًا هائلًا من الدمار الذي خلفته القتال والغارات الجوية للجيش السوداني، حيث تحول القصر الجمهوري المفصلي إلى هيكل خاوٍ مدمّر، وتناثرت السيارات المحترقة في الطرقات بينما تعرضت أجزاء واسعة من الأحياء السكنية للنهب والتخريب الممنهج.

وتبرز آثار القصف العنيف في كل زاوية، بدءًا من جسر “شمبات” الاستراتيجي الذي لا يزال جزء منه مفقودًا ومدمرًا كليًا إثر تعرضه لغارات جوية سابقة، وصولًا إلى انقطاع شبكات المياه والكهرباء لأيام متواصلة في معظم الأحياء العميقة.

ورغم هذا الواقع المأساوي، تواصل السلطات العسكرية بقيادة عبد الفتاح البرهان الترويج لعودة الحياة إلى طبيعتها عبر إعادة تشغيل المطار وفتح بعض الطرق الشريانية، في محاولة حثيثة لتصدير صورة زاهية تناقض الواقع المعيشي القاسي الذي يواجهه العائدون.

وتتجسد صدمة الواقع في شهادات المواطنين الذين اكتشفوا أن قرار العودة كان بمثابة فخ محكم؛ إذ يروي رجل الأعمال عماد خالد أحمد، الذي عادت أسرته من العاصمة المصرية القاهرة قبل أسابيع قليلة، أنه بات يستعد لإعادتهم مجددًا إلى مصر بعدما أيقن أن قرار العودة كان خطأً فادحًا في ظل الانعدام التام للخدمات والارتفاع المجدد لأسعار السلع الاستهلاكية.

وفي الخرطوم بحري، عادت المواطنة سعاد محمد إدريس، وهي أرملة وأم لستة أطفال، لتجد منزلها منهوب الأثاث بالكامل، معربة عن حسرتها الشديدة جراء الغلاء الطاحن الذي يجبرها على شراء المواد الغذائية بشكل يومي وبأسعار خيالية نتيجة غياب أجهزة التبريد والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، مؤكدة أن “الشوق للوطن صدمه واقع الغلاء والانهيار”.

الكارثة الصحية وإعدام مقومات الحياة: الأدوية المفقودة والأنسولين المتلف

ويمثل انهيار المنظومة الصحية أحد أبرز وجهين الجرائم غير المباشرة التي يتعرض لها السكان في العاصمة، حيث تواجه المستشفيات والمراكز الطبية نقصًا حادًا ومفزعًا في الأدوية المنقذة للحياة والمستلزمات الجراحية الأساسية.

ورغم ادعاءات السلطات بإعادة تأهيل بعض المستشفيات الحكومية، ينتهي المطاف بالمرضى وذويهم إلى طرد غير مباشر عبر إلزامهم بشراء المستلزمات والأدوية من الصيدليات التجارية الخارجية بأسعار تعجيزية لا تطيقها الأسر المعدمة.

إجبار الطلاب والضغط الأكاديمي: البُعد السياسي لإرغام المدنيين على العودة

لم تتوقف الممارسات الضغطية عند حدود الخدمات الأساسية، بل امتدت لتطال القطاع التعليمي والأكاديمي عبر قرارات قسرية أصدرتها السلطات لإلزام مؤسسات التعليم العالي بإنهاء نظام “التعليم عن بعد” وإجبار الطلاب والأساتذة على الحضور الفعلي في مجمعات الجامعات داخل الخرطوم.

وجاءت هذه الخطوة القسرية لتفجير موجة من الغضب والاعتراضات العارمة في الأوساط الأكاديمية، حيث لوّح أساتذة كلية الطب بجامعة الخرطوم بالاستقالة الجماعية رفضًا لهذه الشروط التعجيزية والمخاطرة بحياة الطلاب في بيئة تفتقر للأمن والخدمات.

تقارير أممية وحقوقية لعام 2026: لغة الأرقام تفضح العجز والدمار المنهجي

وتكتمل صورة المأساة في الخرطوم عبر الأرقام الصادمة التي أعلنتها المنظمات الأممية والدولية خلال شهر سبتمبر 2026؛ حيث أكد التقرير الإنساني للأمم المتحدة أن عدد المحتاجين للمساعدات العاجلة في السودان ارتفع ليصل إلى 33.7 مليون شخص، ما يمثل أعلى رقم على مستوى العالم.

كما تشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) والمنظمة الدولية للهجرة (IOM) إلى أن أزمة النزوح السودانية باتت الأكبر عالميًا بوجود أكثر من 13.6 مليون نازح ومغادر، من بينهم نحو 9.3 مليون نازح داخلي يعانون من الفقر وانتشار الأوبئة مثل الكوليرا والحمد النزفية في ظل انعدام مياه الشرب النظيفة وتدهور البيئة الصحية بالعاصمة.

وتشدد بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في تقاريرها الصادرة لعام 2026 على أن القصف العشوائي وتدمير المنشآت الحيوية وشبكات الكهرباء والماء ومحطات التكرير يمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني.

إن غياب أي رؤية شاملة لإعادة الإعمار أو تقديم الدعم الاجتماعي للعائدين يؤكد أن قيادة الجيش تتعامل مع ملف العاصمة بمنطق “فرض الأمر الواقع” وتوظيف حاجة المواطنين للعودة إلى ديارهم ضمن استراتيجية تعبئوية وسياسية تسعى لحشد الشرعية الدولية على حساب معاناتهم الإنسانية المتفاقمة.