ذات صلة

جمع

الغذاء كسلاح في الحرب.. اتهامات للجيش السوادني ورسائل عاجلة إلى المجتمع الدولي

يقف السودان اليوم على حافة الهاوية الساحقة مسجلاً أكبر...

بين السلاح والاقتصاد والمفاوضات.. لبنان أمام اختبارات مصيرية

يعيش لبنان واحدة من أشد مراحله التاريخية دموية وتعقيدًا،...

بغداد أمام اختبار قانوني حساس.. كيف تُدار محاكمات معتقلي داعش الأجانب؟

يعود ملف المقاتلين الأجانب ومعتقلي التنظيمات المتطرفة ليطفو على...

المدنيون في قلب الخطر.. كيف تهدد هجمات الحوثيين حياة أطقم السفن التجارية؟

تقف الملاحة الدولية اليوم أمام كارثة محققة واختبار أخلاقي...

صراع داخل طهران.. لماذا تتجدد محاولات إقصاء الرئيس بزشكيان؟

يعيش النظام السياسي في إيران على وقع زلازل خفية...

بين السلاح والاقتصاد والمفاوضات.. لبنان أمام اختبارات مصيرية

يعيش لبنان واحدة من أشد مراحله التاريخية دموية وتعقيدًا، حيث تتشابك الانهيارات الاقتصادية العميقة مع هيمنة السلاح خارج مؤسسات الشرعية، لتتأرجح البلاد بين خطر الفراغ الأمني الوشيك ومخاطر الصراعات الداخلية المستمرة.

ووسط هذه الظروف الاستثنائية العصيبة، تبرز التحذيرات الأممية والتقارير الحقوقية الدولية لتسليط الضوء على واقع مرير تعيشه الأسر اللبنانية المحاصرة بين أزمات معيشية طاحنة وتهديدات أمنية متصاعدة تهدد بقاء الدولة ومؤسساتها، مما يجعل القارئ في مواجهة مباشرة مع تفاصيل دقيقة وموثقة حول مأساة مستمرة ما تزال تداعياتها تتفاعل على المستويين الإقليمي والدولي.

تفاصيل الأزمة اللبنانية وموقف السلطة الشرعية

ويشهد المشهد السياسي والأمني في لبنان منعطفًا حاسمًا يعيد طرح إشكالية السيادة الوطنية وقوة المؤسسات الرسمية في مواجهة التحديات الهيكلية.

وفي هذا السياق، تمسك الرئيس اللبناني جوزيف عون، بحصر السلاح في يد الدولة حصرًا، مؤكدًا بشدة على ضرورة تجنّب حصول أي فراغ أمني مؤسسي قد ينجم عن انسحاب قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان والمعروفة اختصارًا باليونيفيل.

وأوضح عون -في تصريحاته الرئاسية-، أن الهدف الأساسي يتمثل في تنفيذ مشروع بسط سلطة الدولة الشاملة وحصر السلاح بمسؤولية وطنية، مشددًا على أن الغاية ليست الدخول في صدام دموي داخلي أو إشعال فتنة أهلية جديدة، بل بناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها ضمن الأطر الدستورية والقانونية المعتبرة.

وأكد الرئيس اللبناني، خلال مقابلة متلفزة مع وكالة فرانس برس، على الأهمية القصوى لتقديم الدول العربية والأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية الدعم المادي والعسكري المباشر لجيش بلاده، لكي يتمكن من مواصلة تحمل مسؤولياته الجسيمة والانتشار الفعال في عمق مناطق جنوب البلاد.

واستطرد عون موضحًا أن ما يُطلب عمليًا من الجيش اللبناني يتطلب بالضرورة مساعدة جادة وشاملة للدولة اللبنانية بأكملها، مبينًا أن المؤسسة العسكرية ستتحمل مسؤوليتها الوطنية كاملاً، ولكن ينبغي بالمقابل أن يتحمل الشركاء الإقليميون والدوليون مسؤوليتهم التاريخية عبر تعزيز قدرات الجيش وتقوية أركان الدولة اللبنانية.

كما أبدى عون انفتاحًا واضحًا على قبول أي قوة دولية بديلة تستبدل قوة الأمم المتحدة الحالية، شريطة وضع إطار قانوني دقيق يحترم تمامًا السيادة الوطنية للدولة اللبنانية ويضمن عدم حلول أي طرف محل المؤسسات الرسمية.

تقارير أممية وحقوقية ترصد انهيار الدولة وجرائم الميليشيات

وتتطابق الرؤية الرسمية للقيادة اللبنانية مع ما وثقته التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية والأممية والجهات الحقوقية المستقلة، والتي رصدت ببالغ القلق تداعيات سيطرة الميليشيات المسلحة خارج إطار القانون على مقدرات الدولة ومؤسساتها الدستورية.

ففي تقرير حديث صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في جنيف، تم توثيق انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في لبنان مرتبطة بانتشار السلاح غير الشرعي وغياب المساءلة القانونية، حيث أشار التقرير إلى أن استمرار وجود تشكيلات مسلحة خارج سلطة الدولة يعيق بشكل مباشر مسار العدالة الانتقالية ويقوض سيادة القانون.

ووفقًا لبيانات البنك الدولي الصادرة ضمن تقرير المرصد الاقتصادي للبنان، فقد تسبب هذا المناخ المأزوم في انكماش اقتصادي تجاوز سبعين بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي؛ مما دفع أكثر من ثمانين بالمائة من السكان تحت خط الفقر، مع توثيق حالات نزوح واسعة النطاق لمئات الآلاف من المدنيين نتيجة العمليات العسكرية المستمرة في الجنوب.

إلى جانب ذلك، وثقت منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، في تقارير دورية صدرت خلال النصف الأول من عام 2026، وقائع دامية تعكس حجم المعاناة الإنسانية التي يعاني منها المدنيون في مناطق النزاع بلبنان، مشيرة إلى أن استمرار الأنشطة العسكرية للميليشيات يعرض البنية التحتية المدنية والقطاع الصحي المنهار أساسًا لضغوط غير مسبوقة.

وقد أكدت التقارير الأممية الموثقة بالأرقام، أن النقص الحاد في المستلزمات الطبية والأدوية المزمنة يهدد حياة أكثر من مليون ونصف المليون مواطن، فضلاً عن تدمير آلاف الوحدات السكنية والأراضي الزراعية الحيوية.

وتكشف هذه الأرقام والوقائع الرسمية عن صورة قاتمة لواقع تتشابك فيه الأزمات الاقتصادية الخانقة مع هيمنة السلاح المنفلت، مما يجعل بناء الدولة وحصر السلاح ضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل أو التخاذل الدولي.

المفاوضات الأمنية والتعقيدات الميدانية في جنوب لبنان

وعلى الصعيد الميداني والدبلوماسي، تتواصل الجهود والاتصالات المكثفة لاحتواء التصعيد المستمر وتجنب الانزلاق نحو مواجهات إقليمية أوسع نطاقًا، حيث أشار الرئيس عون إلى أن لبنان يسعى حثيثًا لتوقيع اتفاق أمني مع إسرائيل يهدف بالدرجة الأولى إلى إنهاء حالة العداء التاريخية القائمة بين الجانبين، مؤكدًا عدم وجود أي خيار بديل أمام بلاده سوى اللجوء إلى المفاوضات المباشرة لمنع اندلاع أي حرب مدمرة جديدة.

وأوضح عون، أن التحرك اللبناني يستهدف بالأساس صياغة اتفاق أمني مرحلي يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش اللبناني بشكل كامل على الحدود الدولية، إلى جانب تأمين عودة الأهالي النازحين والإفراج عن الأسرى، على أن يكون ذلك بمثابة خطوة أولى تمهد الطريق نحو مسار سلام لاحق دون القفز مباشرة نحو مجهول سياسي.

وفي سياق متصل بالتطورات الدبلوماسية، أفادت هيئة البث الإسرائيلية، الثلاثاء، بأن لبنان طلب رسميًا تأجيل جولة المفاوضات المقبلة مع الجانب الإسرائيلي والتي كان من المقرر عقدها خلال الأسبوع الحالي في العاصمة الإيطالية روما.

وجاء هذا القرار اللبناني على خلفية التصعيد الميداني والتحركات الاستفزازية للجيش الإسرائيلي في منطقة مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية بجنوب لبنان.

ونقلت الهيئة العبرية عن مصادر مطلعة، أن الجانب اللبناني بادر بنفسه لطلب إرجاء المحادثات احتجاجًا على تلك التطورات الميدانية.

ويأتي هذا الجدل السياسي بعد إعلان مسؤول بارز في وزارة الخارجية الأمريكية أن جولة المباحثات القادمة ستنعقد في روما خلال شهر أكتوبر المقبل، مع استمرار التواصل الدبلوماسي العاجل بين الجانبين عبر لقاءات دورية لسفيري البلدين في العاصمة الأمريكية واشنطن، وسط ترقب دولي حذر لما ستسفر عنه جولات التفاوض المعقدة في ظل واقع ميداني يشتعل عند مرتفعات علي الطاهر التي تبعد نحو خمسة عشر كيلومترا عن الحدود وتُعد إحدى أبرز بؤر التوتر الساخنة في جنوب لبنان خلال الأشهر الأخيرة.