تتفاقم الأزمات السياسية والأمنية في الدولة العراقية مع تصاعد محاولات قادة بارزين في تحالف «الإطار التنسيقي» فرض قائمة طويلة من الشروط المعقدة مقابل الانضمام الشكلي إلى خطة الحكومة الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الفصائل المسلحة.
حيث كشفت البيانات الرسمية والتقارير الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» ومؤسسات حقوقية دولية لعامي 2025 و2026، تواجه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي اختبارًا وجوديًا مصيريًا لفرض هيبة القانون والالتزام بالمنهاج الوزاري القاضي بإنهاء المظاهر المسلحة وخروج قوات التحالف الدولي في الموعد المقرر نهاية شهر سبتمبر الجاري.
وفي المقابل، تواصل الميليشيات وفصائل ما يُعرف بـ«المقاومة» مناوراتها السياسية لكسب الوقت، متغاضية عن استحقاقات بناء الدولة لصالح تثبيت نفوذها غير المشروع.
الرفض الحكومي للضغوط الأجنبية.. كواليس التمسك بإنهاء مهام التحالف وتشكيل الحقائب الأمنية
وتؤكد المعطيات الرسمية والميدانية، أن الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي تبدي إصرارًا واضحًا على استكمال الإجراءات والالتزامات الخاصة بحصر السلاح وتوحيد القرار الأمني، حيث كشف حيدر العبودي، المتحدث باسم الحكومة، عن رفض رئيس الوزراء القاطع لأي مقترحات تقضي بتمديد بقاء قوات التحالف الدولي لما بعد الموعد المحدد في الثلاثين من سبتمبر الجاري.
وأوضح المتحدث، أن المؤسسات الرسمية ماضية في بسط سيادتها الكاملة رغم العراقيل السياسية. وفي السياق ذاته، عقد «الإطار التنسيقي» اجتماعات مكثفة لمناقشة الأوضاع الاقتصادية المتأثرة بتداعيات الصراعات الإقليمية، إلى جانب مساعي استكمال التشكيلة الحكومية وشغل الحقائب الشاغرة البالغة تسعة مناصب وزارية، وفي مقدمتها وزارتا الداخلية والدفاع، تمهيدًا لعرضها على مجلس النواب.
وأشارت مصادر إلى أن لجوء القوى النافذة لتسريع تقاسم المناصب الأمنية مع تجاهل ملف تفكيك الفصائل يكشف عن رغبة واضحة في الالتفاف على الاستحقاقات الإصلاحية.
شروط هادي العامري التعجيزية واعترافات ضمنية بجرائم قمع الاحتجاجات الشبابية
وفي مشهد يعكس الانقسام العميق داخل التحالف الحاكم، برز هادي العامري، رئيس منظمة «بدر» والحليف المقرب من طهران، كأبرز المعرقلين لجهود نزع السلاح من خلال طرح شروط شبه تعجيزية خلال كلمة متلفزة.
فقد طالب العامري بتحقيق ما سمّاه «السيادة الكاملة برًا وبحرًا وجوًا» وخروج كافة القوات الأجنبية، تزامنًا مع مطالبة البرلمان بسن قانون دائم لـ«الحشد الشعبي» يمنح الفصائل غطاءً قانونيًا تامًا.
والأكثر خطورة في خطاب العامري هو إشادته بما وصفه بدور «المقاومة» في حماية البلاد من «فتنة تشرين»، في أول إقرار سياسي ضمني بمسؤولية تلك الجماعات عن قمع وتغيب واغتيال مئات الشباب المشاركين في الاحتجاجات الشعبية عام 2019.
ويعتبر الناشط السياسي نزار حيدر أن هذه الاشتراطات تمثل ذريعة مفضوحة لكسب الوقت وإدانة صريحة لقوى الإطار التي تمسك بزمام السلطة وتتحمل المسؤولية الكاملة عن الفوضى الأمنية.
تقارير أممية وحقوقية موثقة بالأرقام.. أبعاد التغلغل المسلح وصفقات التسليح الأمريكي لبغداد
وعلى الصعيد الدولي، توثق التقارير الصادرة عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان ومنظمات دولية مستقلة لعامي 2025 و2026 الانتهاكات الجسيمة التي تمارسها الجماعات المسلحة خارج إطار القانون في العراق، مع إشارة واضحة إلى تأثير التدخلات الإقليمية على قرار الدولة السيادي.
وقال الخبراء: إن طرح الفصائل لقائمة مطالب تضم إيقاف التعامل مع الشركات الأميركية وتوسيع سيطرة القوات الاتحادية على حساب إقليم كردستان يهدف إلى رفع سقف التفاوض السياسي لا أكثر.
وبالتوازي مع ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية موافقتها على صفقة لبيع مروحيات عسكرية متطورة للعراق بقيمة 800 مليون دولار، متعاقدة مع شركة «بيل – تكسترون» في تكساس، لتحديث الأسطول الجوي العراقي والتحرر تدريجيًا من الاعتماد على الطائرات الروسية بسبب نقص قطع الغيار.
ومع اقتراب موعد الثلاثين من سبتمبر، يترقب الشارع العراقي ما إذا كانت الحكومة قادرة على إنفاذ القانون أم أن سطوة الميليشيات ستظل هي الحاكم الفعلي للمشهد.
وتخوض الدولة العراقية صراعًا وجوديًا مع تنامي نفوذ الميليشيات المسلحة والفصائل الخارجة عن سلطة القانون، التي تعرقل جهود الحكومة لبسط السيادة وحصر السلاح.
وفي ظل التحديات الأمنية المتراكمة ومحاولات بعض القوى السياسية فرض شروط تعجيزية لعرقلة هذا المسار، تعاني مؤسسات الدولة من هشاشة ملحوظة واختراقات تعطل مسيرة الإصلاح والبناء الديمقراطي.
وتؤكد التقارير الحقوقية والأممية الصادرة عن لجان التحقيق الدولية، أن استمرار هيمنة السلاح المنفلت، وتورط تلك الجماعات في قمع الحريات وانتهاك حقوق المدنيين، يشكلان التهديد الأكبر لاستقرار البلاد وسلامة مواطنيها.
ومع اقتراب المواعيد الحاسمة لتنفيذ التزامات الدولة الأمنية، يظل الشارع العراقي يترقب بحذر شديد قدرة السلطات التنفيذية على إنفاذ القانون، وتفكيك شبكات النفوذ المسلح، واستعادة الدولة لقريرها السيادي الكامل بعيداً عن الوصاية والإملاءات الفئوية.

