تشهد الساحة الاقتصادية في تونس تفاعلات واسعة ومعقدة على وقع المؤشرات الرسمية الحديثة الصادرة عن الجهات المختصة خلال النصف الثاني من عام 2026.
وفي تقرير تحليلي موسع يستند إلى البيانات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء والتقارير الصادرة عن البنك الدولي ومؤسسات مالية دولية، سجلت نسبة البطالة في البلاد تراجعًا طفيفًا إلى 14.9 في المائة خلال الربع الثاني من عام 2026 الجاري، مقارنة بنحو 15 في المائة خلال الربع الأول من العام ذاته.
ومع ذلك، تؤكد التقارير الحقوقية والاقتصادية، أن هذا الانخفاض الرقمي الطفيف لا يعكس تعافياً حقيقياً في سوق العمل، في وقت يشهد فيه الاقتصاد الوطني تحديات بنيوية جسيمة تتمثل في تفاقم العجز التجاري الخارجي، وتباطؤ وتيرة النمو الصناعي، وانسداد قنوات التوظيف في القطاع العام، مما يضع صناع القرار أمام اختبارات قاسية لامتصاص طالبي الشغل الجدد والحد من نزيف الهجرة غير النظامية.
لغة الأرقام والإحصاءات الرسمية.. تراجع البطالة وارتفاع طفيف في الناتج المحلي الإجمالي
وتظهر المعطيات الدقيقة التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء أن عدد العاطلين عن العمل في تونس بلغ خلال الربع الثاني من عام 2026 نحو 622.4 ألف شخص، مقابل 641.7 ألف شخص خلال الربع الأول من السنة الحالية، مسجلاً بانخفاض قدره 19.3 ألف عاطل عن العمل.
وعلى صعيد الأداء الاقتصادي الكلي، سجّل الاقتصاد التونسي نموًا إيجابيًا بنسبة 2.3 في المائة خلال الربع الثاني مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2025، وفقاً للتقديرات الأولية للحسابات الفصلية.
وباستتار التغيرات الفصلية، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.4 في المائة خلال الربع الثاني مقارنة بالربع الأول من العام الحالي، ليبلغ معدل النمو الاقتصادي الإجمالي خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 2.4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025.
وتؤكد هذه الأرقام المستندة إلى الإحصاءات الرسمية، أن الاقتصاد التونسي يظهر مؤشرات صمود نسبي، إلا أنها تبقى دون الطموحات والنسب المستهدفة في الميزانية العامة للدولة.
تفاقم العجز التجاري وقفزة الواردات.. فاتورة ثقيلة للطاقة والغذاء تثقل كاهل الميزانية
وفي مقابل التحسن النسبي في معدلات النمو، كشفت البيانات الرسمية عن اتساع مقلق في عجز الميزان التجاري التونسي الذي بلغ نحو 5 مليارات دولار، ما يعادل 14.9 مليار دينار تونسي، حتى نهاية شهر يوليو الماضي من عام 2026، مسجلاً بذلك زيادة ملحوظة تقدر بأكثر من 25 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2025.
وقد أرجع المعهد الوطني للإحصاء هذا التفاقم الحاد في العجز إلى ارتفاع الواردات بنسبة 13.7 في المائة، متجاوزة نسبة نمو الصادرات التي اقتصرت على 9.9 في المائة.
وتصدرت واردات الطاقة قائمة القطاعات الأكثر ضغطًا بارتفاعها بنسبة 35.7 في المائة، تليها واردات المواد الغذائية بنسبة 23.6 في المائة؛ مما أدى إلى تراجع نسبة تغطية الواردات بالصادرات لتستقر عند 73.1 في المائة حتى نهاية يوليو 2026، مقابل 75.6 في المائة خلال نفس الفترة من عام 2025، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على احتياطي النقد الأجنبي واستقرار العملة المحلية.
هل تكفي نسب النمو الحالية لخلق فرص عمل حقيقية؟
وكشفت مصادر أن الاقتصاد التونسي سجل صمودًا بنسبة نمو بلغت 2.4 في المائة بفضل إيرادات قطاعي الفلاحة والخدمات، مؤكداً أنها تبقى أقل من الهدف المرسوم في ميزانية الدولة لعام 2026 والمحدد بـ3.2 في المائة، وإن كانت تمثل تحسنًا مقارنة بالربع الأول من عام 2025.
وأوضحت المصادر، أن هذه المعدلات غير كافية بالمرة لتحريك عجلة التشغيل وتفكيك بطالة بنسبة 14.9 في المائة، مشيرًا إلى وجود انسداد هيكلي في قنوات التوظيف بالقطاع العام بسبب ضغوط الميزانية والإصلاحات المالية، بالتوازي مع بطء نمو الشركات الناشئة.
وقالت: إن النمو المحققة يعكس مسارًا من التباطؤ المستمر، ومحصورًا في الفلاحة والبناء في مقابل انكماش قطاع الطاقة والمناجم بنسبة 1.7 في المائة ودخول الصناعات المعملية في حالة ركود تام .
ويعيش الاقتصاد التونسي مرحلة دقيقة تتنازعها مؤشرات الصمود النسبي والتحديات الهيكلية العميقة، في ظل سعي الدولة لتجاوز أزماتها المالية والاجتماعية المتراكمة. فبينما تسجل معدلات البطالة تراجعًا طفيفًا والناتج المحلي نموًا إيجابيًا بدعم من قطاعي الفلاحة والخدمات، تظل هذه النسب دون المستوى المطلوب لخلق فرص عمل حقيقية وامتصاص طالبي الشغل الجدد.
وتتفاقم هذه الضغوط مع اتساع العجز التجاري وزيادة فاتورة واردات الطاقة والغذاء، فضلاً عن ركود بعض القطاعات الحيوية كالصناعات المعملية والمناجم.
وتراهن الحكومة التونسية عبر مخططها التنموي المستقبلي حتى عام 2030 على تحفيز الاستثمار الخاص، ودعم المبادرات الفردية، وإصلاح قنوات التشغيل، بهدف كبح التضخم وخفض نسب البطالة والمديونية، وسط ترقب واسع لمدى نجاح هذه السياسات في إعادة الديناميكية الفعلية للاقتصاد الوطني.

