تخيم حالة من الذعر الشديد والقلق الوجودي على العائلات الفلسطينية في قطاع غزة، في ظل تصاعد مقلق وخطير لحوادث الاشتباكات العائلية والعشائرية التي تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى كابوس يومي يهدد أرواح الأبرياء.
ولم تعد هذه الشجارات مجرد خلافات تقليدية، بل باتت معارك مسلحة تستخدم فيها الأسلحة النارية الخفيفة مثل بنادق الكلاشنكوف، فضلاً عن إلقاء القنابل اليدوية والصوتية وسط الأحياء السكنية المكتظة ومخيمات النازحين، هذا الانفلات الأمني الخطير أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى بين المدنيين، مما دفع النشطاء والمواطنين إلى إطلاق صيحات استغاثة عاجلة لوقف هذا العبث المستمر بمصير المجتمع الذي يئن أصلاً تحت وطأة الحرب المستمرة والظروف الإنسانية الكارثية التي تعصف بالقطاع منذ أمد طويل.
وقائع دموية وتوثيق ميداني.. رصد أخطر مشاهد الاقتتال العشائري شمال وجنوب القطاع
شهد قطاع غزة خلال الأيام الأخيرة سلسلة من الوقائع الدموية المفزعة التي وثقتها كاميرات المواطنين وفظائعها المنصات الرقمية، كان أبرزها ما جرى في الخامس عشر من الشهر الجاري حين ترجلت مجموعة مسلحة من مركبة رباعية الدفع وأطلقت النار بشكل عشوائي في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة؛ مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة آخرين بجروح خطيرة.
ولم تمض سوى ساعات قليلة حتى اندلع اشتباك مسلح دامٍ آخر في منطقة الكتيبة غرب المدينة بين أفراد عائلتين استخدمت فيه الأسلحة النارية، وأسفر عن سقوط قتيل إضافي، تلاه شجار دموية موازٍ في محافظة خان يونس جنوب القطاع خلف إصابات عديدة.
وتؤكد هذه الأحداث المتتالية، أن انتشار السلاح العشوائي بين أيدي الأفراد والعائلات دون رقابة حقيقية بات يمثل خطرًا وجوديًا يهدد النسيج المجتمعي ويزيد من معاناة السكان الذين يحاصرهم الموت من كل اتجاه.
تقارير أممية وتحليل الحقوقيين.. انهيار مقومات الأمن الداخلي وغياب سيادة القانون
تؤكد التقارير الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية، إلى جانب تحليلات خبراء أن هذه الشجارات المتفشية هي إفراز مباشر لحالة الفوضى العارمة والدمار الشامل الذي أحدثته العمليات العسكرية الإسرائيلية، والتي تعمدت تدمير البنى التحتية لهياكل سلطة القانون وضبط الأمن في القطاع.
ويشير المراقبون إلى أن المجتمع الفلسطيني في غزة يواجه ظروفاً قاهرة تتمثل في مستويات غير مسبوقة من الفقر والبطالة والنزوح القسري، وهي عوامل بيئية واقتصادية محفزة لنمو ظواهر الجريمة والنزاعات المسلحة.
وفي ظل ملاحقة الجيش الإسرائيلي المستمرة لعناصر وضباط الأجهزة الأمنية والشرطية التابعة لحكومة غزة التي تقودها حركة حماس، باتت القدرة على السيطرة على الانفلات الأمني محدودة للغاية، مما خلّف فراغًا أمنيًا خطيرًا تستغله العناصر المنفلتة لإشعال الفتن والثارات العائلية.
وفي مواجهة هذا التدهور المخيف، تحركت الفاعليات الشعبية والعشائرية بشكل عاجل لاحتواء الأزمة، حيث عقد التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية بقطاع غزة اجتماعات موسعة لدراسة سبل مواجهة ظاهرة استخدام السلاح في الشجارات.
وأسفرت هذه اللقاءات عن إعلان بيان تاريخي حاسم يقضي برفع الغطاء الكامل عن أي شخص يستخدم السلاح في النزاعات العائلية، ودعم الأجهزة المختصة في ملاحقتهم قانونيًا، مع المطالبة برفع الغطاء التنظيمي عن أي عنصر حزبي يشارك في هذه الأعمال الإجرامية. وتعمل العشائر حالياً على إطلاق “وثيقة شرف مجتمعي” صارمة تجرم حمل السلاح واستخدامه خارج إطار القانون.
وفي ذات السياق، أكدت وزارة الداخلية والأمن الوطني بغزة أنها تبذل جهودًا مضنية وتدفع فاتورة باهظة من دماء عناصرها الذين يستهدفهم الاحتلال أثناء تأدية واجبهم لحفظ الأمن، مشددة على أن المؤسسة الشرطية لن تتوانى عن اتخاذ إجراءات قانونية حازمة ومصادرة كافة الأسلحة المستخدمة في ترويع الآمنين وبث الرعب في نفوس المدنيين الأبرياء.
وتتصاعد في قطاع غزة تحديات أمنية واجتماعية بالغة التعقيد، في ظل التداعيات المدمرة للعمليات العسكرية المستمرة التي أدت إلى انهيار شبه تام في البنى التحتية لمنظومة إنفاذ القانون وحفظ السلم الأهلي.
وأسفرت ظروف النزوح القسري، وتفشي الفقر والبطالة، عن انتشار ظاهرة حيازة السلاح الفردي والعشوائي بين العائلات، مما أدى إلى تكرار الاشتباكات الدامية والمشاجرات المسلحة داخل الأحياء المكتظة ومخيمات النازحين.
وتؤكد التقارير الحقوقية المحلية والدولية، أن هذا الانفلات يمثل تهديدًا خطيرًا للنسيج المجتمعي وسلامة المدنيين، وسط مساعٍ حثيثة تبذلها العشائر والفعاليات الشعبية والأجهزة الأمنية لصياغة مواثيق شرف مجتمعية، وتكثيف الجهود الحثيثة لجمع السلاح وحصر استخدامه، واحتواء الفوضى قبل أن تفاقم المأساة الإنسانية التي يعاني منها السكان الأبرياء.

