تشهد الساحة التونسية في المرحلة الراهنة منعطفًا سياسيًا واجتماعيًا شديد الحساسية، تتكشف من خلاله فصول جديدة من محاولات تقويض استقرار الدولة وتعطيل مسار البناء المؤسسي، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات هيكلية متراكمة ورثتها الإدارات المتعاقبة.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبرز أصابع الاتهام موجهة نحو تنظيم الإخوان وشبكات الفساد المرتبطة به، والتي تُتهم صراحةً بالوقوف خلف سلسلة من الأزمات المفتعلة والممنهجة التي تهدف إلى ضرب الأمن القومي التونسي وإثارة حالة من الاحتقان الشعبي الواسع.
وتأتي التحركات الرئاسية الأخيرة للرئيس التونسي قيس سعيد لتعكس إصرارًا حاسمًا على مواجهة هذه المخططات عبر مقاربة شاملة لا تقتصر على المعالجات الأمنية فحسب، بل تمتد لتشمل تفكيك منظومات الفلوس والفساد الممتدة داخل مفاصل الإدارة والخدمات الحيوية، وهو ما يضع الدولة التونسية في معركة مصيرية فاصلة لتثبيت دعائم السيادة الوطنية وحماية مقدرات المواطنين من أي عبث ممنهج يهدف إلى إسقاط مؤسسات الجمهورية من الداخل.
تفكيك شبكات الفساد كأولوية قصوى لمواجهة محاولات إسقاط الدولة
وتؤكد المعطيات السياسية والأمنية المتلاحقة في تونس أن شبكات الفساد المالي والإداري المترابطة مع أجندات تنظيم الإخوان لم تعد مجرد ظاهرة تقليدية، بل تحولت إلى منظومة تخريبية متكاملة تستهدف تعطيل عجلة الدولة وشلل مؤسساتها الحيوية.
وفي هذا السياق، شدد الرئيس التونسي قيس سعيد خلال لقاءاته الرسمية الأخيرة بقصر قرطاج مع عدد من أعضاء الحكومة، وتحديدًا وزير الصحة مصطفى الفرجاني، ووزير التجهيز والإسكان المكلف بتسيير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة صلاح الزواري، ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، على أن المقدمة الطبيعية الأولى لتحقيق مطالب الشعب التونسي الحقيقية هي التطهير الجذري وتفكيك هذه الشبكات العبثية التي تغلغلت لسنوات طويلة داخل الإدارة التونسية.
وأوضح الرئيس التونسي أن هذه الشبكات تعتمد استراتيجيات خبيثة تتلون بكل لون لتجنيد أعوانها بهدف إعاقة تقديم أبسط الخدمات للمواطنين، والتنكيل بالموظفين الشرفاء، وإثارة البلبلة المستمرة عبر قطع المرافق الحيوية كالماء والكهرباء، فضلًا عن إشعال الحرائق المفتعلة في الغابات والمناطق الحساسة لإشاعة مناخ من الفوضى واليأس المجتمعي.
وتأتي هذه التطورات في ظل تقارير حقوقية دولية ومحلية أشارت مرارًا إلى خطورة تغلغل شبكات الفساد السياسي المموّل خفيةً في تعطيل مسارات الانتقال الديمقراطي والإصلاح الاقتصادي، حيث وثقت منظمات حقوقية تونسية ودولية عشرات حالات التعطيل المتعمد للمشاريع التنموية والخدمية بتوجيهات خفية من قيادات تنظيمية تسعى لاستعادة مواقع نفوذها المفقودة بأي ثمن، بغض النظر عن الكلفة الإنسانية والاجتماعية الباهظة التي تتحملها الطبقات الفقيرة والمتوسطة في المجتمع التونسي.
سيناريوهات التأجيج الإخواني المتعمد لضرب الاستقرار الاجتماعي
لا يقتصر التحرك التخريبي لتنظيم الإخوان وشبكات الفساد التابعة له على الواجهة السياسية البحتة، بل يتعدى ذلك ليطال قطاع الخدمات الأساسية والأزمات المعيشية الحيوية التي تمس المواطن التونسي بشكل مباشر ويومي، في محاولة خبيثة لتحويل المعاناة اليومية إلى وقود لتأجيج الشارع وإشعال الاحتجاجات الفوضوية.
وتؤكد الوقائع الميدانية المتواترة أن هناك سعيًا محمومًا لاستغلال ملفات ضاغطة مثل الانقطاعات المتكررة للمياه والكهرباء، وأزمات التزود بالمواد الأساسية، وافتعال العراقيل الإدارية في المؤسسات الصحية والاجتماعية، بهدف دفع المواطنين نحو حالة من الاحتقان العارم ضد الدولة ومؤسساتها الرسمية.
وقد أشار الرئيس قيس سعيد صراحةً إلى هذه الممارسات الإجرامية، مؤكدًا أن الشعب التونسي بوعيه العميق وإدراكه الفطري بات يمتلك مناعة عالية ضد كل محاولات التلاعب بالاستقرار السلمي والاجتماعي للبلاد.
وفي هذا الإطار، تشير تقارير صادرة عن مراكز أبحاث عربية ودولية متخصصة في الشأن المغاربي إلى أن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وأذرعه المحلية في تونس يعتمدون استراتيجية “الأرض المحروقة” حين يضيق الخناق على تحركاتهم السياسية، حيث يتم توجيه الخلايا المزروعة في قطاعات الطاقة والمياه والبلديات لافتعال أزمات مفاجئة لتبدو وكأنها فشل حكومي بنيوي، وليس نتيجة أعمال تخريبية متعمدة.
وتكشف المعطيات الموثقة عن تسجيل ارتفاع ملحوظ في الأعطال المفتعلة بالشبكات الوطنية للكهرباء والماء بالتزامن مع محطات سياسية وحملات انتخابية أو قرارات سيادية كبرى، وهو ما يدعم القناعة الراسخة لدى القيادة السياسية التونسية بضرورة الضرب بيد من حديد على متخندقي الفساد والإرهاب الإداري دون تردد أو مهادنة.
ملف التلوث البيئي في قابس
وتجسد قضية المجمع الكيميائي بقابس واحدة من أعقد الأزمات البيئية والتنموية في تونس، حيث تحولت معاناة أهالي هذه المحافظة الواقعة في الجنوب الشرقي للبلاد إلى ساحة صراع بين الحقوق البيئية المشروعة والمواطنة وبين محاولات الأطراف الحزبية والسياسية المتربصة استغلال الغضب الشعبي لخدمة أجندات تخريبية ضيقة.
ويُعاني سكان قابس منذ عقود من مستويات تلوث بيئي كارثية أودت بصحة مئات الآلاف من الأسر جراء استنشاق الغازات السامة وانبعاثات الوحدات الصناعية الملوثة التابعة للمجمع الكيميائي، وهو ما دفع الأهالي لتنظيم سلسلة متواصلة من الاحتجاجات والإضرابات السلمية منذ أكتوبر من العام الماضي، مطالبين بالتنفيذ الفوري لقرار حكومي صادر منذ عام 2017 يقضي بتفكيك تلك الوحدات الصناعية ونقلها خارج النطاق السكني بعد تواتر حالات الاختناق الجماعي الخطيرة بين المواطنين، وتحديدًا الأطفال وكبار السن.
وفي تطور لافت يحمل دلالات استراتيجية حاسمة، أجرى الرئيس قيس سعيد زيارة ميدانية عاجلة إلى محافظة قابس، وأكد في أعقابها وبشكل قاطع أن الوحدات الملوثة للمجمع الكيميائي سيتم تفكيكها ورفعها وفق استراتيجية وطنية واضحة ومدروسة، شدد خلالها على أن قضية البيئة هي قضية وطنية كبرى لا يمكن المساومة عليها أو استخدامها كورقة ابتزاز سياسي.
وفي هذا السياق، حذرت تقارير حقوقية تونسية مستقلة من محاولات لجان مرتبطة بتنظيم الإخوان واختراقها لبعض الحركات الاحتجاجية المحلية في قابس بغرض تحويل مسار الاحتجاجات السلمية العادلة إلى مواجهات أمنية مفتوحة وفوضى عارمة تضر بالصالح العام وتخدم مصالح الأطراف الساعية لتعطيل مسار التنمية المستدامة واستقرار الدولة.
رصد دقيق لانتهاكات الجماعات المتطرفة وشبكات التخريب الاقتصادي
وتستند المقاربة الأمنية والسياسية التي تتبعتها الدولة التونسية في تفكيك منظومات الفساد ومجابهة تحركات تنظيم الإخوان إلى أرضية صلبة من التقارير الدولية والأممية والحقوقية التي وثقت بدقة بالغة الأدوار التخريبية لهذه الجماعات وشبكاتها المالية والسرية في تقويض الاستقرار الإقليمي والمحلي.
ففي تقارير صادرة عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومقرره الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان، تم التأكيد مرارًا على خطورة الأنشطة غير القانونية التي تمارسها التنظيمات العابرة للحدود والشبكات المرتبطة بها في اختراق اقتصادات الدول النامية واستنزاف مقدراتها عبر غسيل الأموال وتمويل شبكات الفوضى الممنهجة. علاوة على ذلك، أشارت تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية كبرى مثل “هيومن رايتس ووتش” ومنظمة العفو الدولية في فترات متفرقة إلى الدور المشبوه الذي لعبته قيادات سياسية وجمعيات واجهة تابعة لتنظيم الإخوان في تونس خلال العقد الماضي في تمرير تمويلات مشبوهة غير مرخصة، واستغلال المناخ الديمقراطي لتأسيس شبكات ولاءات موازية لسلطة الدولة، وهو ما مثل تهديدًا مباشرًا لمبدأ احتكار الدولة للقوة وسيادة القانون.
وتلتقي هذه التقارير الأممية مع خلاصات لجان التحقيق البرلمانية والقضائية المستقلة التي تم تشكيلها في تونس لكشف ملابسات الاغتيالات السياسية، والشبكات السرية، وتسفير الشباب إلى مناطق التوتر، حيث أثبتت الوثائق الرسمية والمستندات المضبوطة تورط شخصيات بارزة تنتمي تنظيميًا لجماعة الإخوان في إدارة شبكات ضغط وفساد مالية ضخمة استهدفت إفشال أي مسار إصلاحي حقيقي يخدم المصلحة العليا للشعب التونسي.
وتخوض الدولة التونسية اليوم معركة وجودية لا تحتمل التردد ضد قوى الردة والفساد والتخريب، معركة عنوانها الأبرز فرض سيادة القانون واستعادة هيبة المؤسسات الدستورية في مواجهة محاولات اليأس التي تبثها فلول تنظيم الإخوان وشبكاتهم العنكبوتية.

