ذات صلة

جمع

تونس بين الفائدة المرتفعة والغلاء.. هل ينجح البنك المركزي في كبح الأسعار؟

تتسارع التحديات الاقتصادية في تونس لتضع استقرار البلاد على...

من النفوذ إلى الانحسار.. كيف فقد إخوان العراق أدوات التأثير السياسي والشعبي؟

بين أروقة السياسة المظلمة ورهانات السلطة الخاسرة، شهد المشهد...

المرأة السورية في البرلمان الجديد.. حضور رمزي أم بداية تغيير تشريعي؟

تتلاحق التطورات السياسية في سوريا لترسم ملامح مرحلة دقيقة...

عقوبات أمريكية تضرب قيادة الإخوان.. ماذا يعني إدراج محمود الإبياري؟

في خطوة تصعيدية تعيد رسم خارطة المواجهة الدولية ضد...

مصفاة الزاوية تكشف أزمة أكبر.. كيف يهدد السلاح المنفلت مستقبل النفط الليبي؟

بين ألسنة اللهب المتصاعدة ودوي الاشتباكات العشوائية، تنزف مصفاة...

من النفوذ إلى الانحسار.. كيف فقد إخوان العراق أدوات التأثير السياسي والشعبي؟

بين أروقة السياسة المظلمة ورهانات السلطة الخاسرة، شهد المشهد العراقي تحولات جذرية أفضت إلى أفول نجم التيارات ذات الخلفية الأيديولوجية المتشددة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.

فعلى مدار عقدين من الزمن، واجه الحزب الإسلامي العراقي تآكلاً متسارعًا في قاعدته الجماهيرية نتيجة سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية والقفز نحو الشراكات الحكومية التي لم تخدم سوى مصالح الضيق للقيادات على حساب تطلعات الشارع.

وتوثق تقارير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق والدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث الدولية لعام 2025 و2026، أن تراجع الحضور السياسي للإخوان لم يكن وليد صدفة، بل هو ثمرة حتمية لفقدان الثقة الشعبية وغياب أي رؤية وطنية حقيقية لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية المعقدة، مما جعل التيار ينزوي رويدًا رويدًا إلى هامش العمل السياسي والوطني في البلاد.

الجذور التاريخية والانكفاء السري تحت مقصلة نظام البعث

تستند القراءات الأكاديمية والتاريخية الموثقة حول نشأة جماعة الإخوان المسلمين في العراق إلى مراحل من الصراع الخفي والمواجهات المتقطعة مع السلطات المتعاقبة.

فمنذ تأسيس الحزب الإسلامي العراقي في الستينيات، تعرضت أنشطة الجماعة لعمليات رصد أمني دقيقة، وتحديدًا خلال الفترة الواقعة بين عامي 1970 و1987، حين كثف النظام السابق إجراءاته الاستخباراتية واعتقل العديد من قيادات الصف الأول، مما اضطر التنظيم إلى التخفي والانكفاء نحو العمل السري.

وتشير الوثائق التاريخية وتقارير الشهادات الحية إلى أن حملة كانون الأول/ديسمبر 1987 شكلت ضربة قاصمة للبنية التنظيمية الداخلية، حيث فرّ إثرها عدد كبير من قيادات الجماعة نحو عواصم أوروبية وإقليمية لتشكيل نواة التنظيم في المنفى.

وعلى الرغم من محاولات إحياء النشاط العلني بعد حرب الخليج الأولى عام 1992 عبر واجهات إنسانية وإغاثية، إلا أن بقاء القيادات خارج البلاد لفترات طويلة خلق هوة عميقة بين الفكر القيادي المتسرب من المهجر وواقع الشارع العراقي المعقد، وهو ما مهّد لاحقًا لوقوع إشكالات هيكلية كبرى عند محاولة العودة الميدانية بعد عام 2003.

مأزق المشاركة السياسية بعد 2003 وفقدان الحاضنة الشعبية

مثّلت مشاركة الحزب الإسلامي العراقي في العملية السياسية التي أُسست تحت مظلة الاحتلال الأمريكي عام 2003 نقطة التحول الأكثر جدلية في تاريخ الجماعة، حيث قوبلت بانتقادات حادة من مختلف القوى الوطنية والشرائح الشعبية السنية التي رأت في هذه المشاركة غطاءً سياسياً للمشهد الجديد.

وتؤكد الدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث الدولية، أن تبني الحزب لنهج الانتقال السريع من العمل الدعوي الشعبي “من القاعدة إلى القمة” إلى الانخراط الفوري في قمة هرم السلطة أحدث شرخًا تنظيميًا واجتماعيًا لا يُصطلح.

وتوثق التقارير الحقوقية والمحلية أن التراجع المستمر لشعبية الحزب في انتخابات عام 2018 وما بعدها يعود أساسًا إلى عجز قياداته عن تقديم خدمات حقيقية، أو حماية مصالح قواعدهم وسط أتون الصراعات الطائفية والعنف المسلح.

وقد أدى هذا الأداء البراغماتي المتردد إلى اتهامات واسعة من الخصوم والقواعد على حد سواء بالتخلي عن المبادئ لصالح المناصب الحكومية الضيقة، مما أسفر عن خسارة شبه كاملة للأصوات الانتخابية والمقاعد النيابية الوازنة.

الانقسامات الداخلية وتداعي الأدوات المؤسسية والمجتمعية

لم تقتصر أزمات إخوان العراق على خسارة المقاعد الانتخابية فحسب، بل امتدت لتشمل انقسامات أيديولوجية وتنظيمية عميقة شلت قدرتهم على توجيه الشارع أو تمثيله بفاعلية، فعلى سبيل المثال، أدى التنافس الخفي والعلني مع تشييدات مجتمعية ودينية أخرى، مثل تأسيس هيئة علماء المسلمين في عام 2003 والتي بادر إليها قيادات محسوبة على التيار الإسلامي لتكون موازنًا دينيًا، إلى تعميق الاستقطاب السني الداخلي بدلاً من توحيده.

وتشير تقارير الأمم المتحدة ومفوضية حقوق الإنسان المتعلقة بالاستقرار المجتمعي في العراق إلى أن تفتت الكتل السياسية ذات الخلفية الدينية ساهم في إضعاف القدرة على مواجهة التحديات الأمنية والإنسانية العميقة التي عانت منها المحافظات الغربية والشمالية.

وتؤكد الوقائع الميدانية والتقارير الصحفية الموثقة، أن الاغتيالات والتصفيات التي تعرضت لها بعض الشخصيات القيادية والوسطية خلال سنوات العنف الطائفي زادت من حالة الارتباك التنظيمي، وأفقدت الجماعة كوادرها المؤهلة للتعامل مع متطلبات العمل السياسي الجماهيري الحديث.

تقارير المنظمات الدولية وقراءة مستقبل التيارات الإسلامية في العراق

تُجمع التقارير الحديثة الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ومؤسسات حقوقية دولية ترصد الحريات والمشهد المدني لعام 2025 و2026، على أن الفضاء العام في العراق بات يتجه نحو مطالبات مجتمعية متصاعدة بإرساب دعائم الدولة المدنية ومحاربة الفساد المالي والإداري الذي ينخر مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، تواجه التيارات ذات الخلفية الإخوانية مأزقاً وجودياً يتمثل في عدم قدرتها على تقديم خطاب إصلاحي مقنع يتلاءم مع متطلبات الجيل الجديد من الشباب العراقي الذي قاد احتجاجات تشرين واختبر مرارة الخطاب الطائفي والسياسي الديني.

ويؤكد الخبراء، أن استمرار العزلة السياسية والتنظيمية للحزب الإسلامي العراقي وغيره من الواجهات المرتبطة بالتنظيم الدولي يعكس حقيقة دامغة مفادها أن عصر الهيمنة الأيديولوجية قد ولّى بلا رجعة، وأن أي محاولة مستقبلية للعودة تتطلب مراجعات فكرية جذرية تفصل تماماً بين العمل السياسي الوطني والارتباطات التنظيمية العابرة للحدود.