تتجه أنظار العالم بأسره نحو الخريطة السودانية المشتعلة، حيث تشهد البلاد واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية والسياسية في تاريخها المعاصر جراء صراع دموي أودى بحياة الأبرياء وشرّد ملايين المواطنين.
وفي خضم هذا المشهد المأساوي، تبرز تحولات جيوسياسية خطيرة تكشف عن عودة التحالفات المظلمة إلى واجهة الأحداث، متمثلة في إعادة تفعيل التعاون العسكري والسياسي بين قيادة الجيش السوداني برئاسة عبد الفتاح البرهان والنظام الإيراني الطامح إلى توسيع نفوذه في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
إن هذا التحالف الجديد لا يقتصر على كونه مجرد مناورة تكتيكية في ميدان المعركة، بل يمثل إعادة إحياء لمنظومة متكاملة من التحالفات الإقليمية تضم فلول جماعة الإخوان وميليشياتها التي تسعى جاهدة للتشبث بالسلطة مهما كانت التكلفة البشرية والمادية.
وبينما تتوالى التحذيرات والتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية والأممية لتوثيق فظائع الحرب والانتهاكات الجسيمة، يبقى التساؤل الملح قائمًا حول الأبعاد الخطيرة لهذا التقارب المشبوه وتداعياته المباشرة على أمن واستقرار الإقليم والمنطقة.
السجل الأسود لجرائم الجيش السوداني والانتهاكات الموثقة بحق المدنيين
منذ اندلاع النزاع المسلح في منتصف أبريل 2023، سجلت المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية آلاف الانتهاكات المروعة والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها قوات الجيش السوداني والأطراف المتحاربة الأخرى.
وتشير التقارير الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان إلى استخدام القصف العشوائي بالمقاتلات الحربية والمدفعية الثقيلة في مناطق سكنية مأهولة بالمدنيين، مما أسفر عن مقتل وإصابة الآلاف، وتدمير البنى التحتية الحيوية، كالمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء.
وفي تقرير مفصل صدر عن منظمة العفو الدولية في أواخر عام 2024، تم توثيق حالات إعدام خارج نطاق القضاء واعتقالات تعسفية واسعة النطاق استهدفت المدنيين والناشطين بناءً على الاشتباه في الانتماءات أو الآراء السياسية.
وتؤكد هذه التقارير الموثقة بالأرقام والشهادات الحية أن قيادة الجيش السوداني، بقيادة عبد الفتاح البرهان، قد فشلت في حماية المدنيين وفقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، بل تحولت المؤسسة العسكرية إلى أداة لقمع السكان وتدمير مقدرات الوطن، خدمةً لأجندات ضيقة تعيد إنتاج الديكتاتورية وتكرس ثقافة الإفلات من العقاب.
دور جماعة الإخوان في إشعال فتيل الحرب وإعاقة مسار الحلول السياسية
تؤكد المعطيات السياسية والوثائق الاستخباراتية المتراكمة أن جماعة الإخوان المسلمين في السودان لعبت دورًا محوريًا في تفجير الأزمة الحالية وإفشال كافة المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى تحقيق وقف دائم لإطلاق النار والعودة إلى المسار الديمقراطي المدني.
لقد عملت عناصر الجماعة المتغلغلة بعمق داخل مفاصل الدولة العميقة والجهاز الإداري للجيش على تأجيج النعرات الجهوية والقبلية، وتحريض القيادات العسكرية على رفض أي تسوية سلمية تقضي بتسليم السلطة للمدنيين أو تفكيك شبكاتهم التمكينية التي بناها النظام السابق على مدى عقود.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير صادرة عن مجموعة الأزمات الدولية في مطلع عام 2025 إلى أن كتائب البراء بن مالك وغيرها من الميليشيات المسلحة تحارب جنبًا إلى جنب مع قوات الجيش، وتتلقى توجيهات مباشرة من قيادات إسلامية بارزة هاربة من العدالة.
إن هذا التحالف العضوي بين العسكر والإخوان أدى إلى إطالة أمد النزاع وتحويل الحرب العسكرية إلى حرب إبادة وتطهير ممنهج، مما يجعل أي أمل في الاستقرار مستحيلًا، طالما بقيت هذه العناصر تحتكر قرار الحرب والسلم في البلاد.
تمدد النفوذ الإيراني في السودان: استراتيجية طهران عبر بوابة بورتسودان
في خطوة تكشف الوجه الحقيقي لتحالفات النظام الحالي في السودان، شهدت الشهور الماضية تقارير استخباراتية ودبلوماسية مؤكدة تفيد بإعادة فتح قنوات التواصل العسكري والاستراتيجي بين الخرطوم وطهران، وصولًا إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية المباشرة واستقبال شحنات من الطائرات المسيرة والأسلحة الإيرانية المتقدمة.
وتفيد تقارير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ومراكز أبحاث دولية أخرى بأن إيران تسعى بجدية إلى استغلال الأزمة السودانية الحالية لتثبيت موطئ قدم استراتيجي لها على ساحل البحر الأحمر، بهدف تهديد خطوط الملاحة الدولية وممارسة الضغوط الجيوسياسية على دول المنطقة.
إن هذه العودة الإيرانية المشبوهة لم تكن لتتحقق لولا الترحيب والتسهيلات التي قدمها عبد الفتاح البرهان وفريقه العسكري، في محاولة يائسة لتعويض العزلة الدولية المفروضة عليهم والحصول على دعم عسكري مباشر يمكنهم من حسم المعركة ميدانيًا على حساب دماء الشعب السوداني ومستقبله السيادي.
وتحذر الدوائر الدبلوماسية الغربية والعربية من أن هذا التمدد الإيراني يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي ولأمن الملاحة في باب المندب، مما يحول السودان إلى ساحة حرب بالوكالة تديرها طهران وميليشياتها.
الموقف الدولي والتقارير الأممية: دعوات عاجلة لوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين
تواجه القيادة العسكرية في السودان وجماعة الإخوان ضغوطًا دولية غير مسبوقة جراء تزايد توثيق الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، حيث أصدر مجلس الأمن الدولي عدة قرارات وبيانات رئاسية تدين الانتهاكات المستمرة، وتطالب بفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية العاجلة إلى ملايين النازحين والمهجرين داخليًا وخارجيًا.
إن استمرار هذه الممارسات الإجرامية والارتباطات الإقليمية المشبوهة مع قوى الإرهاب والتطرف يضع السودان أمام مفترق طرق خطير يتطلب تدخلًا دوليًا حاسمًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ووضع حد نهائي لمعاناة الشعب السوداني.

